
توفيق اجانا
متنفس محدود واكتظاظ خطير
في ظل غياب فضاءات ترفيهية حقيقية بمدينة مكناس، يجد السكان أنفسهم أمام خيارات محدودة تدفعهم للتوجه نحو أماكن عمومية محدودة مثل صهريج السواني، أحد أبرز المعالم التاريخية التي عرفت مؤخرًا عمليات تهيئة وتثمين. هذا الواقع جعل من الصهريج وجهة رئيسية للعائلات والشباب، ما أدى إلى اكتظاظ غير متوقع خلال أيام ارتفاع درجات الحرارة، وطرح إشكالات تتعلق بالسلامة والقدرة الاستيعابية لهذا الفضاء التراثي.
الحادثة المفجعة التي وقعت أمس الخميس، والمتمثلة في غرق شاب داخل مياه الصهريج، جاءت في ظل غياب تام للافتات تحذيرية أو وسائل حماية كافية، ما حول هذا الفضاء من موقع ترفيهي وسياحي إلى مصدر خطر حقيقي. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول قدرة المدينة على تأمين فضاءاتها المفتوحة بما يضمن سلامة زوارها.
سلامة مغيبة ومسؤوليات موزعة
رغم أن بعض الأصوات قد تعزو الحادثة إلى تهور الضحية أو تجاهله لمخاطر المياه، إلا أن ذلك لا يعفي الجهات المسؤولة من مسؤوليتها الأساسية في توفير شروط السلامة. فالصهريج مرفق عمومي يستقبل الزوار بشكل يومي، وكان من المفترض أن تتوفر فيه إجراءات وقائية واضحة كاليافطات التحذيرية.
غياب هذه التدابير يمثل خللاً في التدبير الوقائي، ويطرح مسؤولية تقصيرية مباشرة على كل جهة وصية على المرفق. إن أرواح الزوار، وخصوصًا الشباب، لا يجب أن تُترك رهينة العشوائية أو إهمال التدخلات المؤسساتية، في فضاء يفترض أن يكون آمنًا ومؤهلاً.
وقاية غائبة وتنسيق مطلوب
الوقاية من مثل هذه الحوادث لا تقتصر فقط على البنيات التحتية، بل تتطلب كذلك تعبئة شاملة لكل الفاعلين، وفي مقدمتهم الإعلام والمجتمع المدني. الإعلام مدعوّ للقيام بدوره في التوعية والتحسيس، خاصة في الفترات التي تعرف إقبالًا كبيرًا على مثل هذه الفضاءات. كما يُنتظر من الجمعيات المحلية أن تساهم في حملات التوعية والتثقيف، خصوصًا وسط الشباب والفئات الهشة.
غير أن غياب التنسيق الفعلي بين الجهات الرسمية وفعاليات المجتمع المدني والإعلام يجعل هذه الجهود مشتتة وضعيفة الأثر. فبدون خطة تشاركية ومندمجة، تبقى التدخلات موسمية وعرضية، ولا ترقى إلى مستوى الوقاية الحقيقية. على الجهات المختصة أن تتحمل دورها الكامل في قيادة هذا التنسيق، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي في فضاءات يُفترض أن تكون آمنة ومرحبة.
إنّ الحادثة المأساوية في صهريج السواني بمكناس ليست مجرد واقعة فردية، بل هي إنذار واضح لضرورة مراجعة السياسات المرتبطة بسلامة الفضاءات العامة والتراثية. لا يمكن لأي مدينة أن تتجاهل حماية مواطنيها وزوارها تحت ذرائع التقصير أو اللامبالاة. الوقاية الحقيقية تبدأ بتضافر الجهود، وتحمل المسؤوليات، وتفعيل آليات الرقابة والتوعية، لتتحول الفضاءات العامة من مخاطر محتملة إلى أماكن آمنة ترفيهية ثقافية تعزز جودة حياة الجميع.




