
في خضم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب، يبرز جيل زد كصوت جديد يعكس تطلعات الشباب المغربي، لكنه في الوقت ذاته صدى لمطالب الشعب المغربي عبر الأجيال. ما يطرحه هذا الجيل ليس نزوة عابرة، بل هو استمرار طبيعي لمطالب المواطن المغربي، التي تشمل الصحة، العدالة الاجتماعية، الكرامة الإنسانية، مكافحة الفساد، وضمان الشفافية في مؤسسات الدولة.
رغم أن الحكومة أكدت استعدادها للحوار، يبقى السؤال المشروع: مع من ستتحاور؟ جيل زد لم ينشأ ضمن تنظيمات تقليدية، بل في بيئة رقمية متسارعة، حيث التعبير عن المطالب يتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، المبادرات الشبابية المستقلة، وأحياناً بالخروج للشارع للتأكيد على جدية المطالب. لذلك، قد يُفهم إعلان الحكومة عن الحوار على أنه محاولة للمماطلة، بدل اتخاذ إجراءات سريعة وفعالة لتلبية مطالب الشباب والمواطنين.
ومن المهم التأكيد، حسب ما جاء في بيان صادر عن شباب الحراك، أن “إلى كل الشباب الخارج للاحتجاج: نطالبكم بالالتزام بالمبادئ الثلاثة الواضحة: لا كلام نابي ولا إهانات، لا شغب ولا تخريب للممتلكات العامة والخاصة، لا تراجع عن السلمية وحافظوا على كرامتكم وكرامة الحراك.” هذا الاقتباس يؤكد أن الشباب واعٍ بخطر الانزلاق نحو العنف والفوضى، ويريد حماية المطالب المشروعة من أي استغلال، مع التأكيد على أن ما يقع من تخريب أو شغب لا علاقة له بالحراك المدني السلمي.
رغم وضوح المطالب المشروعة لجيل زد، هناك من يحاول استغلال هذا الحراك لإحداث الفوضى والشغب، وتحويل الاحتجاجات السلمية إلى فرص للسرقة والتخريب وإثارة العنف. هذه الانتهاكات لا تمت بصلة لمبادئ الحراك، بل تهدف إلى تشويه صورة المطالب الحقيقية للشباب، وإعطاء ذرائع للتعامل الأمني الصارم، بدل معالجة القضايا البنّاءة التي تهم المجتمع بأكمله. التحدي الحقيقي يكمن في تمييز الحراك المدني السلمي عن هذه الانتهاكات، وضمان أن تبقى المطالب الاجتماعية والسياسية محور النقاش، بعيداً عن أي استغلال يضر بالسلم الاجتماعي ومصداقية الشباب.
الحقيقة البسيطة هي أن هذه المطالب لا تحتاج إلى نقاشات مطولة؛ فهي تمس حياة كل المغاربة اليومية. الصحة العامة، العدالة الاجتماعية، الكرامة الإنسانية، ومكافحة الفساد ليست قضايا للنقاش، بل مشاريع وحلول قابلة للتنفيذ الفوري. المماطلة في الاستجابة لها قد تؤدي إلى شعور متزايد بالإحباط بين الشباب وفقدان الثقة في المؤسسات، وهو ما لا تتحمله أي دولة تسعى إلى الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.
جيل زد، بهذه المطالب الجوهرية وبأساليب التعبير المختلفة، يقدم فرصة نادرة للحكومة لإظهار جدية الإصلاح واستجابة فعلية لانتظارات المواطنين. الحلول العاجلة والمباشرة هي الطريق الأمثل لتعزيز الثقة بين الشباب والمؤسسات، وتحويل الحوار إلى أفعال ملموسة بدلاً من شعارات شكلية. المطلوب اليوم هو استماع جاد، تنفيذ سريع، وضمان أن تتحول هذه المطالب المشروعة إلى واقع ملموس يلمسه كل مغربي في حياته اليومية. فالحوار الحقيقي لا يبدأ بالكلام، بل بالحلول الفعلية، قبل أن يتحول الاحتجاج المشروع إلى توتر وفوضى لا يحمد عقباه.






