اش واقع فمدينتي

من التحليل إلى التهجم: أزمة الخطاب في مواكبة مهرجان وليلي

توفيق اجانا

في خضمّ النقاشات التي رافقت الدورة الرابعة والعشرين من مهرجان وليلي لموسيقى العالم التقليدية، برز مقال يُعبّر عن وجهة نظر داعمة للمهرجان، لكنه في الآن ذاته قدّم خطابًا يفتقر، في بعض جوانبه، إلى روح النقد المتوازن، من خلال تصوير الملاحظات المخالفة وكأنها محاولات لإفشال التظاهرة. وهو ما يثير تساؤلات مهنية حول دور الصحافة في مثل هذه المحطات، وحدود الخطاب الإعلامي حين يواكب الشأن الثقافي.

إن من المثير للتأمل أن يُقدَّم هذا المقال بلغةٍ تنزع نحو المواجهة بدل التحليل، وهو ما قد يُفهَم على أنه خلط بين وظيفة الصحافة باعتبارها سلطة رقابية مستقلة، وبين منطق الدفاع غير المشروط عن أي جهة منظمة أو حدث ثقافي. فالعمل الصحفي يُبنى على مبادئ الحياد، والتوازن، وإبراز مختلف وجهات النظر دون تخوين أو إقصاء.

صحيح أن للمهرجان أهدافًا نبيلة، كالترويج للتراث، ودعم التلاقح الثقافي، وتعزيز جاذبية الموقع الأثري لوليلي، غير أن الأسئلة المهنية تظلّ مشروعة: إلى أي مدى تحقّقت هذه الأهداف؟ هل أسهمت الدورة الحالية في تنشيط السياحة الثقافية أو الاقتصاد المحلي؟ وهل كان هناك إشراك حقيقي للفاعلين المحليين، من جمعيات ومنتجين وباحثين؟ هذه الأسئلة لا تستدعي ردود فعل انفعالية، بل تقتضي تحليلًا مبنيًا على معطيات واقعية وتقييمات موضوعية.

في هذا السياق، لا يمكن إلا أن نُشدّد على أن الصحافة المهنية ليست أداة للدعاية أو للتحامل، بل هي مساحة للحوار والنقد والمساءلة البنّاءة، تستند إلى الحقائق لا إلى الانطباعات، وتسعى إلى الارتقاء بالفعل الثقافي لا إلى تبخيسه أو التهليل له. وحين يُستخدم المقال الصحفي للرد على الآراء بدل تحليلها، فإن ذلك يُسيء إلى الوظيفة الإعلامية ويُفرغها من مضمونها المهني.

ثم إن تقديم النقد البنّاء، بوسائله المهنية الرصينة، لا يُفشل أي مهرجان، بل على العكس، يُسهم في تطويره. أما اللجوء إلى نفي كل ملاحظة مخالفة، أو تصويرها كعداء للمبادرات الثقافية، فهو أمر قد يُكرّس الانغلاق ويُعيق التقييم الموضوعي.

واللافت أن صاحب المقال يُعرّف نفسه كباحث في الخطاب الإعلامي، ما كان من المفترض أن يُضفي على نصه صبغة تحليلية علمية متّزنة، تقوم على تفكيك البنيات الإعلامية المرتبطة بالتظاهرة، ومناقشة تمثّلاتها الاجتماعية والثقافية. غير أن الملاحَظ أن الطابع الانفعالي غلب على الأسلوب، مما جعل المقال أقرب إلى رد فعل وجداني منه إلى قراءة معرفية موضوعية.

وهنا تبرز مفارقة مهمّة: حين يتخلّى من يُصنَّف ضمن الحقل الأكاديمي عن أدوات التحليل الرصين، فإن ذلك لا يُسيء فقط إلى مضمون النص، بل يُضعف ثقة القارئ في جدّية البحث الأكاديمي نفسه، ويُحدث التباسًا بين منطق التحليل ومنطق الدفاع أو المجاملة.

في مدارس تحليل الخطاب، يُعدّ الحياد والموضوعية ركيزتين لفهم آليات التأثير في الرأي العام، وتحليل بنية النصوص الإعلامية. لذلك، فإن الانزياح عن هذه المبادئ يُضعف من القيمة العلمية للنص، ويُدخل المتلقي في دوّامة من التأويلات التي لا تخدم الثقافة ولا الإعلام.

من هذا المنطلق، فإن إعادة بناء الخطاب الإعلامي المرافق للمهرجانات لا ينبغي أن تتم على أساس مناصرة عمياء أو تخوين مجاني، بل عبر تقييم شامل، يستحضر السياق، ويُصغي لكل الأصوات، ويُثمّن الملاحظات مهما كانت حدّتها، شريطة أن تكون مؤسَّسة ومبنية على حجج واضحة.

في زمن تتسارع فيه التحوّلات الإعلامية والثقافية، تصبح الحاجة ملحّة إلى خطاب إعلامي مسؤول، يوازن بين النقد والدعم، ويمنح الثقافة ما تستحقه من تحليل وتقييم رصينين. فالمهرجانات ليست معصومة من الملاحظات، والصحافة ليست عدوًا لها، بل مرآة تكشف ما تحقّق وما يجب أن يتحقّق.

ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الانتصار لوجهة نظر، بل في ترسيخ تقاليد إعلامية ترتقي بالفعل الثقافي عبر نقاش عمومي ناضج، لا يُقصي أحدًا، ولا يُجامل على حساب المهنة. أما حين ينزلق الخطاب التحليلي إلى مستوى الاتهام المباشر أو التشهير، فإنه لا يُسيء فقط إلى صاحبه، بل قد يُعرّضه كذلك للمساءلة القانونية، ويبتعد عن أي صلة علمية بما يُفترض أنه تحليل للخطاب الإعلامي، الذي جوهره الموضوعية والمنهجية، لا الانفعال والانحياز.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى