
الطيب بنعبيد
هبت نسائم العروبة بعدما أثارت أقدام اسود الأطلس جدوة رماد النسيان أمجادا وقيما تجاهلناها فخبت….هي لعبة فقط…صحيح… ولكنها اليوم تحولت إلى شيء آخر أكبر وأعظم وأجل من مجرد لعبة.
انتصارات المغرب في بطولة العالم غيرت ما عجز السياسيون تغييره، وخلقت مفاجآت كما حفزت مكامن الإسلام والعروبة والقيم والمكارم في نفوس الجميع… يكفينا ما قاله المحلل الألماني عندما قارن بين المجتمع الغربي الأناني والمثلي والمجتمع الإسلامي الذي يمجد الأسرة ويرفع قدر الأم وتمنى أن يتعلم الغرب من المغاربة القيم .
هذا المونديال كان ربحا للإسلام عموما وللمغرب ثانيا..فقطر برهنت للعالم قدرة العرب على التفوق على الغرب تنظيما ، والمغرب برهن على هذا التفوق رياضيا وأخلاقيا .
تأججت أنوار العروبة والإسلام في القلوب . فصدحت كل الأفواه العربية والإسلامية والإفريقية اعتزازا بانجازات الأسود، وغمرت الفرحة الشوارع والبيوت والمقاهي والساحات بل وحتى الملاجئ والسجون ، فطوبى لمن أفرح الأمم في زمن النكبات والأحزان …تحركت النزعات سعادة وحبورا، فاعتبر العرب انتصار المغرب انتصارا عربيا ، واعتبره المسلمون انتصارا اسلاميا، واعتبره الأفارقة انتصارا إفريقيا، والكل على صواب … ولكن أهم انتصار كان دينيا إسلاميا ….حيث ارتفع سقف الدين وقيمه عاليا …ومنه سجود اللاعبين شكرا لله إثر كل انجاز مشرف بالملعب ، وحضور التماسك الاسري بتقدير الوالدين وخصوصا الأم في مشاهد تقدير من اللاعبين أبكت العالم .
ومنه تنازل عدد من اللاعبين عن مستحقاتهم المادية للمحتاجين ، ومنه التبرع بالتذاكر مجانا للجماهير، والتواضع الكبير للاعبين، والتمسك بالهوية الإسلامية والإعتزاز باللغة العربية والهوية الوطنية والعربية والاسلامية ، والاعتزاز بالزي اللباس المغربي التقليدي الأصيل . بل حتى في المجال البيئي عبرت الجماهير المغربية عن وعيها بقيمة النظافة عندما تطوعت لتنظيف الملاعب اثر انتهاء المقابلات.في سلوك حضاري أثار انتباه العالم.
هي غيض من فيض خلقت الاستثناء وزكتها قرارات دولة قطر في منع الخمر والمخدرات والعلاقات غير المشروعة ومحاربة مظاهر الانحلال مثل العري والمثلية وغيرها، والسماح للجماهير بالصلاة في جنبات الملاعب وحدائقها في مشهد مشرف للمسلمين ، وفتح المساجد للأجانب والتعريف بالإسلام ، وإشهار ملصقات الكترونية تقدم دررا من القرآن والسنة مترجمة في كل مكان ، ورفع الآذان في أوانه وفوق كل ذلك إفتتاح حفل المونديال بالقرآن الكريم .
لقد تعلم الغرب من هذه البطولة العالمية قيما دينية واخلاقية حسنت صورة العرب والإسلام بل هناك من غير نظرته للإسلام والبعض يتحدث عن بعض حالات اعتناق الإسلام .
بفضل تألق أسود الأطلس ، ربح العالم العربي والإسلامي الرهان ، وربح المغرب سمعة اخترقت الآفاق، وحركت انجازات الأسود ذاكرة العرب فاستحضروا انتصارات المغاربة في الزلاقة والارك ووادي المخازن وربطوا هذه بتلك ليعيشوا لحظات انتشاء تاريخية جسدت عظمة المسلمين عموما والمغاربة خصوصا وملاحمهم البطولية فأصحبنا نرى العالم العربي والإسلامي مغربا أكبر، حيث رفرف علمنا في كل البلدان، ونطق مواطنوها باللهجة المغربية وزادت شهرته بين الشعوب .
وطفت القضية الفلسطينية من جديد فرفرفت اعلام فلسطين في المدرجات ورفرفت اعلام المغرب في القدس وغزة ورفح …وتغنى الفنانون العرب بالمغرب في تجاوز لحدود الوطنية المغلقة كما تكسرت خطط الذين حاولوا تقسيم الامة ، لان الوحدة القوية فجأة جمعتهم في مشاهد رهيبة اتخذت لها ألف صورة ومشهد بل حتى العالم الغربي انبهر عندما شاهد اعلام دول عربية واسلامية مختلفة تحتفل في شوارع اوروبا وأمريكا متعجبا كيف تفرح هده الامم كلها ببلد واحد ويوزعون الهدايا والحلويات السورية والعراقية والفلسطينية والسعودية … على المحتفلين ، هي صور أدهشت الغرب ونصعت معدن المسلمين الذهبي ورفعت سقف ثقة الشعوب العربية بنفسها وقدراتها وبإطاراتها الوطنية وزادت من تمسكها بقيمها الدينية الرفيعة واخيرا رسخت قدرتها على تحقيق المستحيل حتى اصبح شعار( المستحيل ليس مغربيا ، المستحيل ليس عربيا ) شعار العرب ككل.
ولكن لهذه النقلة الايجابية ما بعدها …. فالمغرب الأن أصبح ملزما على أن يبقى في مساره التصاعدي ليس في الرياضة فقط بل في كل المجالات، ومنها الإقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها.
والعالم العربي بدافع المنافسة الشريفة أصبح مدفوعا من شعوبه إلى اتباع مسار المغرب بعدما تكسر بعبع الغرب الذي لا يقهر وتحطمت نظرة الغرب الفوقية للعرب الدين أصبحوا متأكدين اليوم من قدرتهم على تحدي الغرب والتفوق عليه في شتى المجالات إذا توفرت العزيمة ، ونموذج تفوق قطر التنظيمي وتفوق المغرب الرياضي اصبحا نموذجان يقتدى بهما .
ان طريق المجد لن يكون معبدا او مفروشا بالورد بل هو طريق تعترضه اشواك الغيرة والحسد والحقد خصوصا من اعداء الاسلام او أعداء الوطنية والنجاح، ولكن علينا اتخاذ المثل العربي شعارا وهو القافلة تسير والكلاب تنبح والبيت الشعري : وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.
أملنا أن يستمر الخط التصاعدي لقطاع الرياضة في بلدنا خصوصا وبلدان العرب عموما بعيدا عن الغرور .وان نشهد تميزا في مجالات أخرى تديم علينا فرحاتنا المغربية والعربية والإسلامية متمنين أن تتفوق في كل مناسبة دولة أو دول عربية لنثبت دواتنا في عالم أصبح يدرك ان الأمجاد تعلو وتنخفض وان علوها وشيك عند العرب والله قادر على كل شيء.
انتم ايضا يمكنكم المشاركة في قسم الاراء بارسال مقالاتكم عبر contact@media15.ma
مقالات الرأي المنشورة في ميديا15 لا تعبر عن سياسة الخط التحريري للموقع















