اش واقع فمدينتي

التدبير المفوض في جماعة مكناس بين الشفافية المخفية واستقلالية الرقابة المشكوك فيها

توفيق اجانا

في كل نقاش حول التدبير المفوض، تظل مسألة الرقابة حجر الزاوية الذي يُقاس به مدى احترام المال العام وضمان جودة الخدمات العمومية. فحجم الاعتمادات المرصودة، وطول مدة العقود، وطبيعة المرافق المعنية، تجعل من آليات المراقبة عنصرًا حاسمًا في تقييم نجاعة هذا النمط من التدبير. وفي هذا الإطار، تكتسي المادتان 43 و44 من عقد التدبير المفوض أهمية خاصة، لكونهما تؤطران من حيث النص صلاحيات الرقابة وحدودها ووسائل تمويلها.

تستهل المادة 43 بالتأكيد على أن مراقبة المرفق المفوض تتم «علاوة على مراقبة الدولة»، وهي صيغة تمنح النص مشروعية ظاهرية وتُوحي بوجود رقابة عمومية عليا. غير أن القراءة المتأنية لبقية المقتضيات تكشف أن حضور الدولة يظل عامًا وغير إجرائي، إذ لا تحدد المادة طبيعة هذه المراقبة ولا آليات ممارستها ولا حدود تدخلها، مقابل منح المفوض سلطة واسعة في ممارسة الرقابة الاقتصادية والمالية والتقنية على المفوض إليه.

فالمفوِّض لا يكتفي بممارسة الرقابة، بل يحدد كيفياتها ونطاقها وتوقيتها، كما يملك حق تفويضها كليًا أو جزئيًا لأشخاص أو خبراء أو مكاتب دراسات يختارهم بنفسه. ويزداد هذا المعطى وضوحًا عندما يسمح النص باللجوء إلى خبرة خارجية، بصفة عرضية أو دائمة، تُفوَّض لها بعض أو كل اختصاصات المراقبة. هذا الجمع بين سلطة المراقبة وسلطة التفويض وسلطة الاختيار يطرح، من حيث المبدأ، تساؤلًا مشروعًا حول استقلالية الرقابة وحيادها، خاصة في غياب أي معايير قانونية صريحة تُلزم باحترام شروط الكفاءة أو تفادي تضارب المصالح.

وتزداد هذه الإشكالية حدة عندما يلاحظ أن دور سلطة الوصاية يقتصر، وفق المادة 43، على التوصل بنسخ من الوثائق والتقارير التي تُحال أصلًا على المفوض. فلا وجود لتنصيص صريح على صلاحيات افتحاص أو تدخل أو ترتيب آثار قانونية، وهو ما يجعل الرقابة العمومية، بالمفهوم الدستوري والمؤسساتي، خارج دائرة الفعل المباشر، رغم أن الأمر يتعلق بتدبير مرفق عمومي وبأموال ذات طابع عمومي.

وتأتي المادة 44 لتُكمّل هذا الإطار بإحداث مصلحة دائمة للمراقبة، يُفترض أن تُمكّن المفوض من ممارسة مهامه في ظروف أفضل. غير أن طريقة تمويل هذه المصلحة تفتح نقاشًا أعمق، إذ ينص العقد على اقتطاع نسبة 1,5% من رقم معاملات المفوض إليه لتمويل تكاليف المراقبة. ومن الناحية المنطقية والمؤسساتية، يصعب التوفيق بين مبدأ الرقابة المستقلة وتمويلها المباشر من النشاط التجاري للجهة الخاضعة لتلك الرقابة، ما يطرح إشكالًا بنيويًا يتعلق بتضارب المصالح.

ويتعزز هذا الإشكال أكثر عندما ينص العقد على فتح حساب خاص باسم «حساب النظافة لجماعة مكناس»، تُجمع فيه هذه الاقتطاعات، إضافة إلى الغرامات ومداخيل أخرى، وتُصرف منه نفقات متعددة تشمل الأجور والتحفيزات، والتجهيزات، ووسائل النقل، والدراسات، والافتحاصات الخارجية، وغيرها من النفقات التي يقررها المفوض. ورغم اشتراط الترخيص الكتابي المسبق لرئيس الجماعة، فإن اتساع مجالات الإنفاق وهامش السلطة التقديرية يطرح تساؤلات مشروعة حول الشفافية وضبط الأولويات.

واللافت أن المفوض إليه، وهو الجهة الخاضعة للمراقبة، هو من يتولى عمليًا أداء هذه النفقات مباشرة من الحساب البنكي، في حدود السيولة المتوفرة. هذا المعطى يثير، من منظور الحكامة، إشكالًا واضحًا، إذ يصبح الطرف المراقَب ممولًا ومصرفًا لميزانية جهاز المراقبة، وهو وضع يصعب معه الحديث عن استقلال فعلي للرقابة.

وإلى جانب هذه الإشكالات، يلاحظ غياب مقتضيات صريحة تتعلق بتقييم نجاعة المراقبة نفسها، أو بقياس أثرها في تصحيح الاختلالات وتحسين الأداء. كما لا تتضمن المادتان أي آليات لتمكين الرأي العام أو المنتخبين غير التنفيذيين أو المجتمع المدني من الاطلاع على خلاصات الرقابة، رغم الطابع العمومي للمرفق المعني. ويزداد هذا الفراغ وضوحًا في ظل غياب التنصيص على التنسيق الإلزامي مع أجهزة الرقابة الدستورية أو المالية، رغم حجم الالتزامات المالية وطول مدة العقد.

إن الجمع بين المادتين 43 و44 يكشف عن تصور للرقابة يقوم على منطق تعاقدي داخلي، تُركّز فيه الصلاحيات والتمويل والاختيار داخل نفس الدائرة، بدل تصور قائم على الفصل بين من يدبر، ومن يراقب، ومن يحمي المال العام باسم القانون والمؤسسات.

خلاصة القول، إن المادتين 43 و44، بصيغتهما الحالية، تفتحان نقاشًا قانونيًا ومؤسساتيًا مشروعًا حول مدى ملاءمة الإطار الرقابي المعتمد مع متطلبات الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فبين تفويض واسع لاختصاصات المراقبة دون ضوابط دقيقة، وتمويل مباشر لجهاز المراقبة من طرف الجهة الخاضعة لها، واتساع هامش السلطة التقديرية في الصرف، تبرز اختلالات بنيوية تمس جوهر مبدأ استقلال الرقابة وحماية المال العام.

ولا يتعلق هذا النقاش بتشكيك في النوايا أو استهداف أشخاص أو مؤسسات بعينها، بقدر ما يندرج في صلب القراءة القانونية النقدية لنص تعاقدي يُفترض فيه أن يؤطر مرفقًا عموميًا حيويًا ويؤمن له أعلى درجات الشفافية. فكلما تعاظمت كلفة التدبير المفوض واتسع نطاقه الزمني والمالي، تعاظمت بالمقابل الحاجة إلى رقابة مستقلة، واضحة المعالم، ومفصولة فعليًا بين من يُدبّر ومن يُراقِب.

ومن هذا المنطلق، يصبح إعادة النظر في هندسة المراقبة المنصوص عليها في المادتين 43 و44 ضرورة وقائية قبل أن تكون إجراءً تصحيحيًا، بما يضمن سد منافذ التأويل، وتفادي تضارب المصالح، وترسيخ ثقة المواطن في أن المال العام يُدار ويُراقَب بمنطق القانون لا بمنطق الترتيبات التعاقدية المغلقة.

يتبع..

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى