

توفيق اجانا
عرفت ساحة الهديم التاريخية، مساء أمس الجمعة، لحظة استثنائية في إطار الدورة الخامسة من مهرجان “عيساوة – مقامات وإيقاعات عالمية”، لم تكن فنية فقط، بل تنظيمية وأمنية بامتياز. فقد تميّزت السهرة، التي حضرها جمهور غفير، بعرض روحاني عميق للطائفة العيساوية برئاسة المقدم عبد الصمد هادف، والفنانة نبيلة معن، والشيخ اسماعيل بوجيا، إلى جانب الفنان رامي عياش، في مشهد فني جمع بين صفاء الذكر وأصالة الإنشاد.
لكن خلف وهج العرض، طفت على السطح لحظة حرجة كادت أن تُحوّل الاحتفال إلى مأساة، لولا التدخل الحاسم والمسؤول لأحد القياديين الأمنيين، الذي اتخذ قرارًا عاجلًا بمنع إدخال أي شخص إضافي إلى الساحة، رغم توفره على دعوة، بعد أن بلغت الطاقة الاستيعابية ذروتها.
وفي مشهد مؤثر، صدح صوت هذا المسؤول الأمني:
“واش بغيتو تقتلوا الناس؟
كانت هذه العبارة تلخيصًا صادقًا لأولويات السلامة، ورسالة واضحة بأن التدبير الأمني لا يكتمل إلا حين يُقدّم الإنسان على كل اعتبار آخر. تدخله لم يكن ارتجاليًا، بل يعكس وعيًا عميقًا بالمسؤولية، ويقظة مهنية تستحق التنويه.
رغم أن الأجواء الاحتفالية كانت تعكس نجاحًا جماهيريًا لافتًا، إلا أن خللًا في التقدير التنظيمي ألقى بظلاله على الحدث. فقد أظهرت المعطيات الميدانية أن عدد الدعوات الممنوحة تجاوز بشكل واضح عدد الكراسي الموضوعة داخل الساحة، مما أدى إلى حالة من الاكتظاظ الحاد وتضييق غير مسبوق في حركة الجمهور. هذا التباين بين عدد الحاضرين المتوقع وتجهيزات الفضاء خلق اختناقًا بشريًا، وأظهر الحاجة الماسة إلى مراجعة معايير التنظيم والتوزيع بما يراعي خصوصيات المكان وطاقته الاستيعابية.
ساحة الهديم، التي لطالما احتضنت فعاليات كبرى دون تسجيل اختلالات مماثلة، أظهرت خلال هذه الدورة أن اعتماد الكراسي داخل فضاء مفتوح بهذه الكثافة ليس حلًا عمليًا، بل عاملًا مباشرًا في تعقيد الحركة وخلق حالة من التكدس. مما يجعل ذلك من الضروري الاستغناء عن هذا الخيار التنظيمي، تفاديًا لأي خطر محتمل على السلامة الجسدية والنفسية للمواطنين، وخصوصًا في سهرات تعرف إقبالًا جماهيريًا كبيرًا.
وفي هذا السياق، يُقترح أن يتم الاستغناء عن توزيع الكراسي داخل ساحة الهديم خلال الحفلات الكبرى، والاكتفاء بتخصيص صفوف محددة في المقدمة للضيوف والشخصيات الرسمية، بطريقة تحفظ التوازن وتمنع كل ما من شأنه أن يثير شعورًا بالتمييز الطبقي بين المواطنين، وتُساهم في الحفاظ على انسيابية الحركة وتفادي الاكتظاظ.
تُقدّر مساحة ساحة الهديم التاريخية بحوالي 18,000 متر مربع، مما يمنحها قدرة استيعابية تصل إلى نحو 45,000 شخص في حالة الوقوف بكثافة معتدلة، أو حوالي 12,000 شخص في حالة الجلوس المريح على الكراسي. وبذلك، يتضح أن الاختناق الذي شهده المهرجان لم يكن ناتجًا عن ضيق المساحة، بل عن سوء تدبير الفضاء وتنظيم غير ملائم، لا سيما مع وضع الكراسي داخل الساحة بطريقة غير مدروسة.
هذا النقاش التنظيمي يكتسي أهمية متزايدة مع اقتراب سهرة الاختتام، التي ستشهد مشاركة الطائفة العيساوية – الركب الفيلالي الأصيل برئاسة المقدم عبد العالي لمرابط، مجموعة أش كاين، الفنانة منال بنشليخة، والفنان حاتم عمور، وكلها أسماء تحظى بجماهيرية واسعة قد تجعل من يوم السبت أكثر أيام المهرجان ازدحامًا.
فالسلامة أولًا، والتنظيم المحكم أساس النجاح، والإبداع لا يكتمل إلا حين يُصاغ في إطار يحترم الأرواح ويصون كرامة الفضاء العمومي.
وسيبقى النقاش مفتوح






