
توفيق اجانا
تعد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من أبرز الأوراش الاجتماعية التي اعتمدها المغرب منذ مطلع الألفية الثالثة، باعتبارها إطارا استراتيجيا يهدف إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس مقاربة تنموية تروم محاربة الفقر والهشاشة وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية. غير أن تقييم هذا الورش يقتضي تجاوز المقاربات الاحتفالية أو المعتمدة على المؤشرات الرقمية، نحو قراءة تحليلية تركز على مدى تحقق الأثر الفعلي للتدخلات على مستوى التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل المجال الترابي.
ورغم أن حجم الاستثمارات وتعدد المشاريع يعكسان دينامية مؤسساتية واضحة في دعم التنمية المحلية، فإن الإشكال الجوهري لا يرتبط فقط بكمية الموارد المرصودة، بل بمدى فعاليتها في إنتاج أثر تنموي مستدام. فالتنمية البشرية لا تختزل في إنجاز البنيات أو تقديم الدعم الاجتماعي الظرفي، بل هي مسار متكامل يهدف إلى تنمية قدرات الأفراد وتعزيز إدماجهم الاقتصادي والاجتماعي بشكل دائم.
وبناء عليه، فإن الاقتصار على عدد المشاريع وحجم المستفيدين لا يكفي لتقييم النجاح، لأن المؤشرات الكمية قد تخفي أحيانا محدودية الأثر النوعي لبعض التدخلات. إذ إن عددا من المشاريع، خصوصا المدرة للدخل، قد تواجه لاحقا تحديات مرتبطة بالاستمرارية وضعف المواكبة والتأطير والتسويق، مما قد يؤدي إلى تراجع فعاليتها أو توقفها. لذلك، يبقى معيار النجاح مرتبطا بقدرة هذه المشاريع على خلق استقلال اقتصادي حقيقي وتحسين ملموس في مستوى عيش الفئات المستهدفة، بدل الاكتفاء بنتائج انية أو ظرفية.
كما أن المقاربة التشاركية، باعتبارها أحد ركائز الحكامة الترابية، تظل بدورها مجالا للنقاش من زاوية التطبيق العملي. فنجاعة التنمية المحلية لا تتحقق بمجرد تعدد الهياكل واللجان، بل عبر إشراك فعلي للساكنة والفاعلين المدنيين في تحديد الأولويات وتتبع التنفيذ وتقييم النتائج. ويبرز في هذا السياق تحدي الفجوة بين التصورات المؤسساتية للمشاريع وبين انتظارات الساكنة وخصوصيات المجال الترابي.
ومن جهة أخرى، يظل موضوع العدالة المجالية أحد أبرز الإشكالات البنيوية المرتبطة بالتنمية البشرية، حيث ما تزال بعض المناطق القروية وشبه الحضرية تعاني من اختلالات على مستوى البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية وفرص الشغل. وهو ما يؤكد أن تحقيق التنمية لا يتوقف عند حجم التمويل، بل يستلزم تنسيقا فعليا بين مختلف السياسات القطاعية في إطار رؤية مندمجة ومستدامة.
أما التحول نحو الاستثمار في الرأسمال البشري، خاصة من خلال دعم الطفولة المبكرة وتعزيز الإدماج الاقتصادي للشباب والأشخاص في وضعية هشاشة، فيعكس تطورا مهما في فلسفة التدخل العمومي، باعتبار أن الإنسان أصبح محور العملية التنموية ومؤشرها الأساسي. غير أن فعالية هذا التوجه تبقى مرتبطة بوجود اليات دقيقة للتتبع والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول بعض البرامج إلى تدخلات محدودة الأثر أو ذات طابع ظرفي.
وعموما، فإن التجربة المغربية في مجال التنمية البشرية تمثل نموذجا مهما في تطوير السياسات الاجتماعية الترابية، غير أن الرهان الأساسي اليوم لم يعد يقتصر على إطلاق المشاريع أو توسيع قاعدة المستفيدين، بل يتمثل في القدرة على تحقيق أثر تنموي ملموس ومستدام يسهم في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتحسين مؤشرات العيش الكريم.
وفي هذا الإطار العام، تبرز عمالة مكناس كنموذج ترابي يعكس دينامية هذا الورش على المستوى المحلي، من خلال حجم التدخلات المنجزة خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2025 في إطار برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. حيث تم برمجة 1236 مشروعا وعملية بغلاف مالي إجمالي بلغ 461,10 مليون درهم، ساهمت فيه المبادرة بما يناهز 408,31 مليون درهم، لفائدة أكثر من 600 ألف مستفيد ومستفيدة، مع إمكانية ارتفاع هذه الحصيلة بفعل المشاريع المبرمجة خلال سنة 2026.
غير أن قراءة هذه المعطيات تظل ناقصة إذا اقتصر التحليل على بعدها الكمي، إذ إن التقييم الحقيقي يقتضي قياس الأثر النوعي لهذه المشاريع على التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل المجال الترابي. فارتفاع عدد المشاريع واتساع قاعدة المستفيدين يعكس دينامية مهمة، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقق تحول مستدام في شروط العيش.
كما أن استمرارية وفعالية عدد من المشاريع، خاصة ذات الطابع الاقتصادي، تظل مرتبطة بمدى توفر شروط المواكبة والتأطير والتسويق والاندماج في النسيج الاقتصادي المحلي كما اسلفنا الذكر، وهو ما يجعل مسألة الحكامة والتتبع والتقييم عنصرا مركزيا في تحديد نجاعة التدخلات.
وفي السياق ذاته، يظل سؤال العدالة المجالية حاضراً بقوة داخل المجال الترابي، بالنظر إلى استمرار تفاوتات في الولوج إلى الخدمات الأساسية وفرص الشغل والبنيات التحتية، مما يؤكد أن معالجة هذه الإشكالات تتطلب تكاملاً فعلياً بين مختلف السياسات العمومية في إطار رؤية مندمجة.
وبذلك، يعكس نموذج عمالة مكناس من جهة حجم المجهود المبذول في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومن جهة أخرى يفتح النقاش حول ضرورة الانتقال من منطق تراكم المشاريع إلى منطق تحقيق الأثر التنموي المستدام، باعتباره المعيار الأساسي لنجاعة السياسات العمومية في مجال التنمية البشرية.






