

توفيق اجانا
في الامس ، حين تُضاء المنصات وتعلو الإيقاعات، ينشغل الجميع بالصوت والصورة، يتسابقون نحو مواقع المشاهدة، نحو المقامات والأنوار. لكن في الزوايا غير المضاءة، عند الحواجز، خلف الأشرطة، على الأرصفة، وفي العيون التي لا تنام، هناك رجال لا يُنظر إليهم إلا عرضًا، وإن غابوا للحظة، شعر الجميع بالفراغ.
مهرجان “عيساوة – مقامات وإيقاعات عالمية”، كما رآه الآلاف في ساحات مكناس، بدا كتحفة منسوجة بعناية، لكن ثمّة خيوطًا خفية أبقته متماسكًا، هي خيوط الانضباط، واليقظة، والجاهزية. لا فرق، ما يوحّدهم أكبر من الشارات: حسّ المسؤولية.
رجال الأمن، بكل تلاوينهم، كانوا هناك، لا يُنصتون للفرقة، بل لصوت آخر، لا يُسمع في الميكروفونات: صوت التنسيق، الترقب، التدخل إن لزم الأمر. رجال الوقاية المدنية بدورهم، كانوا كأنهم ظلٌّ للمهرجان، لا يُرَون، لكنهم موجودون؛ عند كل مفترق، قرب كل منصة، خلف كل لحظة فرح، يقفون بين الخطر والمواطن.
السلطات المحلية والقوات المساعدة، بلباسهم الذي لا يُخفي التعب، كانوا يتنقلون في صمت، يسألون، يراقبون، يوجّهون، كما لو أنهم ينسجون خريطة خفية للهدوء.
لا أحد يصفّق لهؤلاء بعد انتهاء العرض، ولا أحد يطلب صورة تذكارية معهم، لكنهم لا ينتظرون ذلك. ليسوا في موقع البطولة، بل في موقع الضرورة. يؤدّون أدوارهم كما تؤدى الصلاة: بانتظام، دون ضجيج، ودون انتظار أجر غير الأمان.
وحين نتحدث عن نجاح المهرجان، لا ينبغي أن نغفل عنهم. أن تمرّ أيامه دون حادث يُذكر، وأن يخرج الناس كما دخلوا، مبتسمين، آمنين، فذلك ليس صدفة، وليس حظًا. إنه عمل موزون، مبرمج، صامت.
ثمّة من يربط نجاح التظاهرات بعدد الحضور، بعدد الصور المنشورة، أو بعدد المشاهدات على المنصات. لكن في الفضاءات العمومية المفتوحة، حيث يتحرك الإنسان بحريته، فإن النجاح الحقيقي يبدأ هناك، من حيث يقف رجل ببدلة رسمية، أو بشارة على الذراع، لا يُلقي الخطابات، ولا يُلقي التحية، لكنه يعرف أن عليه أن يبقى واقفًا، لأن الآخرين جالسون.
هم رجال الصفوف الأولى الذين لا تُسلَّط عليهم الأضواء، ولا يُنسب لهم الفضل في الكلمات الختامية. لا ينتظرون منابر ولا إشادة، لأنهم، ببساطة، أبناء وطن يرون في أداء الواجب شرفًا مكتفيًا بذاته. لا يحتاجون إلى شكر، ولا إلى عبارات زائدة، لأن عزة النفس لا تُطلب من الخارج، بل تُغرس في الداخل.
وقد يُقال يومًا إن المهرجان نجح، أو أنه لم يبلغ ما كان يُرتجى منه. قد نختلف حول التفاصيل: حول البرمجة، الصوت، الجمهور، التغطية… لكننا لا نختلف على شيء واحد: لولا أولئك الذين ظلوا واقفين بصمت، ما استطعنا حتى أن نختلف.
هكذا تُكتب بعض الأدوار بالعرق، لا بالحبر. وهكذا يصنع بعض الناس الأمن دون أن يطلبوا الأمان لأنفسهم، بل يمنحونه للآخرين، ثم يمضون دون أن يلتفتوا. لأن الوطن، بالنسبة إليهم، ليس فكرة يُدافع عنها بالكلام، بل مساحة يُحمى فيها الصمت






