
توفيق اجانا
على الرغم من العلاقات المتينة والشراكات الاستراتيجية التي تجمع المغرب بالسنغال، والتي تجسدت مؤخرًا في توقيع 17 اتفاقية تعاون تشمل الفلاحة والصناعة والصيد البحري والتعليم والبنية التحتية والتنمية الرقمية خلال الدورة الـ15 للجنة العليا المشتركة للشراكة المغربية-السنغالية في الرباط بتاريخ 26 يناير 2026، جاء بيان الحكومة السنغالية بعد قرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم بتتويج المغرب ببطولة كأس أمم إفريقيا 2025 ليكشف عن توجه مفاجئ وغير مبرر لتوظيف ملف رياضي في إطار سياسي وأمني.
البيان استخدم لغة اتهامية مباشرة منذ البداية، حيث عبر عن “استياء شديد” تجاه قرار الكاف، مؤكداً أنه “يهدف إلى تجريد المنتخب السنغالي من لقب بطل أفريقيا 2025 ومنحه للمغرب”. هذه الصياغة توحي بوجود نية مسبقة للظلم الرياضي ضد السنغال، وتحوّل قرارًا إداريًا رياضيًا إلى قضية عدائية ضمنية، وهو ما يعكس استخدام البيان للغة سياسية هجومية.
اللغة الاتهامية تتواصل عند التشديد على خطورة القرار، إذ وصف البيان القرار بأنه “غير مسبوق وخطير للغاية”، وأنه “ينبع من تفسير خاطئ بشكل واضح للوائح”، ما يؤدي، بحسب البيان، إلى قرار “غير قانوني وظالم للغاية”. هذه الصياغة تشير إلى تشكيك صريح في نزاهة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وتضع ضغطًا سياسيًا على الهيئات الرياضية القارية، ما يمثل ابتزازًا دبلوماسيًا مبطنًا.
كما جاء البيان ليشكك في النتيجة الرياضية نفسها، مؤكداً أن التشكيك في نتيجة المباراة “يضر بمصداقية الاتحاد الإفريقي وبالثقة المشروعة للشعب الأفريقي في المؤسسات الرياضية القارية”. هذا الربط بين قرار إداري رياضي وشرعية المؤسسات القارية يضيف بعدًا ابتزازيًا رمزيًا، ويزيد من التوتر الدبلوماسي بين المغرب والسنغال.
وفي رفضه للقرار، أشار البيان إلى أن السنغال “ترفض رفضًا قاطعًا هذه المحاولة غير المبررة للاستيلاء على لقب مشروع للسنغال”. استخدام تعبيرات مثل “الاستيلاء على لقب مشروع” يوحي بالسرقة الرمزية ويضع القرار الرياضي في إطار تهديد سياسي ضمني، ما يرفع درجة التصعيد دون أساس قانوني.
الدعوة إلى تحقيق دولي وتهديد قانوني تعكس استمرار الأسلوب الهجومي، حيث ورد أن السنغال ستستخدم “جميع السبل القانونية المناسبة بما في ذلك الهيئات القضائية الدولية”، ما يوضح أسلوب الابتزاز السياسي الرسمي، إذ يوحي بأن هناك إمكانية لتصعيد الأمور قانونيًا إذا لم يتم تعديل الوضع لصالح السنغال.
التصريحات المتعلقة بالتضامن مع المواطنين الذين تورطوا في أحداث الشغب خلال المباراة النهائية تكشف عن بعد حساس في البيان. المغرب طبق القانون بشكل صارم تجاه المخربين في الملاعب وفق اللوائح المعمول بها خلال البطولة، واتخذ الإجراءات الضرورية لضمان النظام وسلامة الجماهير، وهو إجراء إداري وأمني روتيني. استخدام السنغال لمصطلح “المحتجزين” يشير إلى لغة اتهامية مبطنة وتحويل ملف رياضي إلى وسيلة ضغط سياسي، وهو ما يمكن اعتباره ابتزازًا ضمنيًا، خصوصًا وأن البيان يوحي بتضامن الحكومة السنغالية مع المخربين، ما يحرف الحقيقة ويحوّل القضية من ممارسة قانونية إلى تهمة ضد المغرب.
هذا التوجه يتناقض مع روح التعاون والأخوة التاريخية التي تربط البلدين، فبينما كان من المفترض أن يعكس الملف الرياضي قيم الاحترام المشترك وتعزيز الروابط بين الشعبين، اختارت الحكومة السنغالية استخدامه كوسيلة للضغط على المغرب، مستغلة قضية المواطنين المخالفين لتأكيد موقف هجومي سياسي، وهو ما يحمل بعدًا ابتزازيًا ضمنيًا.
ربط الأحداث الرياضية بالملفات الأمنية والسياسية يعكس خلطًا بين مجالات يجب أن تظل مستقلة، ويضع المغرب أمام تحدٍ دبلوماسي دقيق، يتطلب منه الحفاظ على مصالحه الوطنية وحقوق مواطنيه دون الإخلال بالعلاقات الثنائية الاستراتيجية.
ختام البيان جاء مؤكدًا على التمسك بالموقف و”غير مرنة في الدفاع عن حقوق المنتخب الوطني واستعادة شرف الرياضة الإفريقية”، وهو ما يعكس لغة تهديد مباشرة ويضع المغرب تحت ضغط إضافي، مع تلميحات واضحة لإمكانية تصعيد الإجراءات في حال عدم تلبية المطالب الضمنية.
من المنظور السياسي، يمثل هذا التوجه اختبارًا لقدرة المغرب على إدارة التوازن بين الدفاع عن مصالحه الوطنية ومواطنيه وبين الحفاظ على التعاون الثنائي في المجالات الحيوية، بما في ذلك المشاريع المشتركة التي تم الاتفاق عليها مؤخرًا. كما يسلط الضوء على أهمية فصل الملفات الرياضية عن السياسة والملفات الأمنية، لضمان استمرار العلاقات المغربية-السنغالية على أسس متينة ووفقًا لمبادئ الاحترام المتبادل، بعيدًا عن أي محاولات ابتزاز أو ضغوط مبطنة قد تهدد مسار الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
بينما يظل المغرب ملتزمًا بالقوانين ومبادئ الروح الرياضية، فإن البيان السنغالي يطرح تحديًا دبلوماسيًا حقيقيًا، يتطلب إدارة حذرة ومتوازنة للحفاظ على مصالح الدولة ومواطنيها، وضمان استمرار العلاقات الثنائية على أسس الاحترام المتبادل والشراكة الاستراتيجية، دون السماح بتوظيف الرياضة كأداة ابتزاز سياسي أو وسيلة للضغط المبطن.





