اش واقع فمدينتي

الجهوية المتقدمة بين طموح الحكامة وواقع التدبير: هل تتحول الجهة إلى مؤسسة فعلية؟

توفيق اجانا

لم يعد مشروع الجهوية المتقدمة مجرد خيار إداري في هندسة الدولة، بل غدا مدخلًا استراتيجيًا لإعادة تشكيل العلاقة بين المركز والمجال، وبين الدولة والمجتمع، باعتباره رهانًا سياسيًا ومؤسساتيًا يهدف إلى إرساء حكامة ترابية قائمة على القرب، والفعالية، والمساءلة. فالرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في النصوص القانونية أو في إعادة رسم الحدود الترابية، بقدر ما يتجلى في قدرة الجهة على التحول إلى مؤسسة فعلية قادرة على اتخاذ القرار، وحماية حقوق الجماعات الترابية، والاضطلاع بدور الوساطة السياسية والاجتماعية بما يعزز الثقة في الفعل العمومي.

ورغم ما حمله هذا المشروع من وعود بإرساء ديمقراطية ترابية متقدمة وتدبير لا مركزي فعال، كشفت الممارسة عن فجوة واضحة بين الطموح المعلن والواقع المعاش. إذ ظلت الجهة، في كثير من التجارب، أسيرة منطق التدبير التقليدي، وعاجزة عن تجاوز مركزية القرار، بفعل تداخل الاختصاصات من جهة، واستمرار نفس أنماط الفاعلين السياسيين والإداريين من جهة أخرى، وهو ما حدّ من قدرتها على المبادرة والتأثير في مسارات التنمية الترابية.

وأمام هذا الواقع، يبرز اليوم إلحاح الحاجة إلى بلورة استراتيجية واضحة لتنزيل الاعتراف بحقوق الجماعات الترابية، بما يضمن تفعيل أدوارها في التدبير المحلي والتخطيط التنموي. فإقرار هذه الحقوق لا يمكن أن يظل حبيس النصوص القانونية، بل يقتضي ترجمتها إلى ممارسات مؤسساتية ملموسة، وآليات تمكين حقيقية تمنح الجماعات سلطة القرار والمسؤولية في تحقيق التنمية المستدامة. غير أن هذا المسار يصطدم بعدد من الإكراهات، في مقدمتها استمرار هيمنة نخب سياسية عمرت طويلًا في مواقع المسؤولية دون حصيلة تنموية واضحة، وهو ما يعرقل التجديد المؤسساتي ويحد من قدرة الجهة على ممارسة أدوارها الفعلية.

وفي بعدها الوسيط، يفترض أن تشكل الجهة فضاءً للتفاعل والتواصل بين الدولة والمجتمع، ينقل انتظارات المواطنين، ويؤطر المشاركة العمومية، ويساهم في بناء الثقة المؤسساتية. غير أن ضعف التجديد السياسي، وتراجع النجاعة التواصلية، ساهما في إفراغ هذا الدور من مضمونه، ليظل في كثير من الأحيان مجرد واجهة شكلية لا تنعكس آثارها على واقع السياسات العمومية أو جودة القرار العمومي.

ويبقى العنصر البشري الحلقة الأكثر حساسية في معادلة الجهوية المتقدمة، إذ إن غياب التأهيل الحقيقي للمنتخبين، وضعف التكوين الاستراتيجي للأطر الإدارية، واستمرار منطق الولاءات على حساب الكفاءات، كلها عوامل تُفرغ المشروع الجهوي من بعده الإصلاحي، وتحوله إلى ممارسة إدارية محدودة الأثر بدل أن يكون رافعة للتنمية والتحول الديمقراطي.

وفي هذا الإطار، لا تختزل الجهوية المتقدمة في مجرد إعادة توزيع للاختصاصات، بل تُعد مشروع تحول سياسي ومؤسساتي عميق، يفترض شجاعة في التجديد، ووضوحًا في الاختيارات، وقطعًا مع ممارسات الماضي. فغياب نخب جديدة، وإدارة ترابية مؤهلة، وإرادة سياسية حازمة، من شأنه أن يُبقي الجهة حبيسة منطق الشكل دون المضمون، وعاجزة عن الاضطلاع بوظائفها التنموية والوسيطية.

ويظل إنجاح هذا المشروع رهينًا، في جوهره، بتجديد النخب، وتحرير القرار الترابي، والاستثمار في الإنسان باعتباره جوهر الحكامة وشرطها الأساسي. فحين تتغير العقليات، وتُستبدل ثقافة الريع والولاءات بمنطق الكفاءة والمسؤولية، يمكن للجهة أن تنتقل من كونها مجرد أفق إصلاحي نظري إلى مؤسسة فعلية فاعلة، تخدم المواطن وتستجيب لانتظاراته التنموية والديمقراطية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى