كتاب رأي

قراءة في خطاب العرش في ضوء أفكار المؤرخ و المثقف المغربي عبد الله العروي

ذ سعيد توبير

1_ تؤكد كل كتابات عبد الله العروي حول المغرب ” مجمل تاريخ المغرب ” الجذور الإجتماعية و الثقافية للحركة الوطنية ” المغرب والحسن الثاني” على ثابت تاريخي قديم جديد يتعلق بالتلاحم الدائم و التلقائي بين العرش و الشعب. او ما يمكن أن نسميه ” الوطنية المغربية التاريخية”. بحيث أوضح في حوار أبوظبي على أن الدولة هي التي تؤسس الخلية الإجتماعية. كما أن ” احتفالية و طقس البيعة” كتقليد متجدد لا يتناقض في العمق مع روح دستور الدولة الحديثة. و هو الظاهرة التاريخية السياسية التي مكنت المغرب من إقامة دولة – أمة، تضرب جذورها في أعماق التاريخ كما قال جلالة الملك محمد السادس حفظه الله.
2_ لا احد ينكر اليوم سقوط عدد من دول الوطن العربي في براثن الفوضى، و دخولها التلقائي متاهات العنف المؤسس على الطائفية و المذهبية و القبلية، و هو ما جعل العروي في محاضرة كرسي جامعة محمد الخامس ” للترجمة و التأويل ” يقول: إن المستقبل سيكون على الأرجح لسلطة القبيلة أو الفيدراليات الهشة بعدما تففكت الدولة الوطنية أو القومية و فقدت كل فاعلية. وفي هذا السياق تتضح أهمية مقولة جلالته ” المغاربة اليوم و سابقا معروفون، والحمد لله، بخصال الصدق والتفاؤل، وبالتسامح والانفتاح، والاعتزاز بتقاليدهم العريقة، وبالهوية الوطنية الموحدة.

_ في سياق أخر أكد العروي أن الدولة في سياستها و تصوراتها أكثر تقدما من المجتمع . و هذا ما يؤكد قول جلالته حول ما وصله المغرب في مساره التنموي إلى درجة من التقدم والنضج، و حاجة هذا المسار الحقيقي على مستوى التحديث إلى هذه الجدية، التي تنكشف في دعوة العروي الى الحزم و الحسم في القضايا التي تهم المصلحة العامة للمجتمع، أي الارتقاء به إلى مرحلة جديدة، وفتح آفاق أوسع من الإصلاحات والمشاريع الكبرى، التي يستحقها المغاربة. وهنا لا بد من الإشارة الى تلقف أحد رسائله القمينة بإخراج المجتمع المغربي من التأخر الاقتصادي و هوما سماه ” الدرابة اليدوية” في إطار جوابه عن أهمية ابن خلدون بالنسبة للحاضر العربي، الذي ليست له علاقة ودية بالطبيعة أو قوة الصناعة، موضحا على أن المادية التاريخية تنكشف بشكل مباشر في علاقة المجتمع بالقوة الصناعية، من خلال التمييز ما بين الفكر العملي و النظري . بحيث أن نرى أن منظومة تعليمنا تحتاج الى تقوية عرض التكوين المهني و الحرفي بتنويع التخصصات العملية للتوافق مع متطلبات السوق للنهوض بالموارد البشرية .
3- من مظاهر قوة وواقعية الخطاب الملكي السامي هو الاعتزاز بقدرات و مواهب الشباب المغربي و قدرته على خلق المعجزات كما حصل في نهائيات كأس العالم . مؤكدا على ضرورة توفير الشروط الضرورية لتفجير هذه الطاقات. ويمكن أن نشير إلى المؤسسات الحزبية ودورها في إغناء وإثراء التجربة الديموقراطية. إذ يلاحظ العروي”أن الأحزاب في المغرب لم تجدد نفسها من الداخل. وهو يرى أن هناك الآلاف من الشباب المثقف لم تستوعبهم هذه الأحزاب. والأحزاب في غايتها القصوى، لابد أن تتحول الى مدارس لتخرج كوادر متمرسة تطعم ماكينة الدولة وأجهزتها”.و كأي تجربة سياسية ناشئة لا بد و أن تعترضها بعض الصعوبات مثل “العزوف السياسي”، و هو ظاهرة سوسيو ثقافية و جب ايفاؤها حقها من التحليل العلمي و التربوي. بحيث أن إمكانية التجاوز ممكنة عن طريق تطوير الثقافة السياسية الحديثة او التربية على المواطنة لتعميق النقاش العمومي والأكاديمي ( تفكيرا، تخطيطا، تأليفا و نشرا) بهدف الحسم في تجذير فكرة المواطن الذي يدين بالولاء لوطنه، متجاوزا ولاء اسرته، وبني جلدته و جماعته.
4- الواقع هو أن القضية الوطنية الأولى قد حضيت باهتمام جلالته على مستوى الجدية والمشروعية التي أثمرت توالي الاعترافات بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية؛ وآخرها اعتراف دولة إسرائيل، وفتح القنصليات بالعيون والداخلة، وتزايد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي. يرى المؤرخ عبد الله العروي أن حدث “المسيرة الخضراء” من حيث رمزيته أنه يتماهى مع نفس الوضعية لما شهده المغرب في كفاحه ضد الغزاة الإيبريين في 1578، أي في معركة “وادي المخازن” التي ساهم فيها المغاربة من جميع الجهات لإنقاذه من الكارثة. ونفس الشيء وقع في 1859 عندما خرجت قوات إسبانية تريد أن تنتجع في شمال المغرب عبر استهداف مدينة تطوان ليعلن الجهاد والتحرير .كما يضيف في مقالة ” الجزائر و الصحراء المغربية” ليست الدولة المغربية دولة “استعمارية” نشأت في حدود، خططها المستعمرون و أورثوها لقادة البلاد الجدد بعد الاستقلال، بل هي دولة تاريخية دولة ومجتمعا، تكونت عبر قرون، و بخاصة بعد القرن السادس عشر. وتبلور الوعي “الوطني” المغربي أثناء صراع مرير ضد الإسبان شمالا وضد الأتراك العثمانيين في الشرق، للمحافظة على حدود معروفة لدى السلطة والشعب.
وفي الأخيرة يمكن أن نؤول مفهوم ” الجدية” في كتابات العروي على انها نوع من الوعي التاريخي الذي نستشعر به وجودنا في العالم، وعي عقلاني بالتأخر و الرغبة الجماعية عرشا و شعبا في تجاوزه للحاق بالدولة المتقدمة، متى حلت فلسفتها في التفكير و العمل تيمنا بما قاله صاحب الجلالة حفظه الله : الجدية في الحياة السياسية والإدارية والقضائية: من خلال خدمة المواطن، واختيار الكفاءات المؤهلة، وتغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين، والترفع عن المزايدات والحسابات الضيقة. متمنين بكل وطنية صادقة أن تحل هذه الروح الوطنية الجدية في المجال الاجتماعي، وخاصة قطاعات الصحة والتعليم والشغل والسكن. وفي مخططات الفاعلين الاقتصاديين، وقطاع الإستثمار والإنتاج والأعمال. أي أن جلالته لا يرتضي إلا الجدية كمنهج متكامل يقتضي ربط ممارسة المسؤولية بالمحاسبة، وإشاعة قيم الحكامة والعمل والاستحقاق وتكافؤ الفرص.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى