
عبد العالي عبد ربي
في كرة القدم، كما في الحياة، لا بد للمرء أن يتخلص من المسلمات، ويتجنب الوقوع في شرك المسكوكات من الأقوال والحكم التي في الغالب ما تكبل تفكيرنا وتمنع انطلاق سراح الأفكار الخلاقة المبدعة والتحليق في فضاءات أرحب بعيدا عن أسر الحكم المتوارثة التي نبرر بها خضوعنا للآخر، الذي يكون المجتمع، كما قد تكون الأفكار الجاهزة المكبلة للانطلاق نحو الآفاق الرحبة.
كثيرا ما نبرر اختياراتنا بقولة خير الأمور أوسطها، أو الله يجعل الغفلة بين البايع والشاري. … مبررات تعفينا من التفكير العميق، كما أنها تجيز الاحتيال والضحك على الذقون.
الأمر ينطبق على الحياة، كما ينطبق على الكرة. هناك مسلمات نرددها كالببغاوات تعفينا من التفكير، كما أن هناك كلمات قيلت في سياق معين فتحولت بقدرة قادر لسياقات بعيدة كل البعد عن الأصل الذي استعملت فيه.
المنتخب الوطني في مونديال قطر بقيادة وليد الركراكي، يعطي المثال في الجانبين.
كلمة النية التي انتشرت انتشار النار في الهشيم، استعملها وليد الركراكي لحث لاعبيه على الإيمان بقدراتهم وقدرتهم على مواجهة الكبار، لأنهم هم أيضاء من عالم الكبار، بعد أن هيأ الظروف لتفجير هذه الطاقات، بخططه، وقراءته لخطط الخصم، دون تضخيم لقدرات هذا الخصم، ولا استصغار للذات.
وأتى هذا الخليط من التصميم والبناء أكله بشكل أبهر العالم. إلا أن العبارة غزت الفضاء الأزرق بدلالاتها التواكلية التي طغت على تعاملاتنا ،اما بالنسبة لخطط اللعبة، هناك عبارات يتم تداولها في مجال كرة القدم بشكل أصبحت تشكل مسلمات لا تقبل الجدل، على اعتبار من أراد النجاح سوى أن يحفظها عن ظهر قلب، وتطبيقها بحذافيرها بدون أدنى تفكير.
منها أحسن طريقة للدفاع هي الهجوم, ومنها أن احتكار الكرة دليل على القوة والفاعلية، لدرجة أصبح تداول نسب الاحتكار بديلا عن الحديث عن النتيجة في حذ ذاتها، ولعل نجاح فريق برشلونة في وقت من الأوقات في تدوير الكرة، كان سببا في شيوع الفكرة.
هناك مسلمات أخرى انتشرت عن عمل المدربين، من قبيل أن الشوط الأول هو شوط اللاعبين، والثاني شوط المدربين. متناسين في ذلك أن المدرب يدبر المباراة بكل تفاصيلها، من اختيار التشكيلة، وتزويدها بالخطة المناسبة، ودعمها بالاستراتيجيات المؤدية إلى إنجاح الخطة.
وهنا نؤكد أن التفكير العقلاني يعني القدرة على إخضاع المسلمات للتساؤل، وهذا عين ما قام به الركراكي في مباريات مونديال قطر التي مكنته، لأول مرة، من حجز مكان للكرة المغربية لتصل للمربع الذهبي،
كيف دافع الركراكي أمام عمالقة الكرة من بلجيكى وكروات وإسبان وبرتغال… لم يعمل بمقولة أحسن طريقة للدفاع هو الهجوم، بل قام باستدراج هجوم باقي الفرق إلى معتركه، وعزز دفاعه ليبدو قادرا على قراءة نوايا المهاجمين بشكل استباقي، وصبر على حرمانه من الكرة بتعقل وصلابة، وجعل من قوة الدفاع فرصا لهجمات مرتدة سريعة مستثمرا سرعة لاعبي الوسط والأجنحة للوصول باسرع وقت إلى المربع الذهبي للخصوم في أسرع وقت، ومع ارتفاع وتثرة المرتدات، يسقط الدفاع، ويكتسب مهاجمونا ثقة في النفس بشكل يدفعهم على المحاولة، والمحاولة والمحاولة…
هكذا أدار الركراكي مباريات المنتخب الوطني، وهكذا ينبغي أن تُدار أمور الحياة، بالتحرر من المسلمات، والتجريب ثم التجريب بعقلانية ومعرفة وعلم….
انتم ايضا يمكنكم المشاركة بمقالاتكم في قسم الاراء عبر البريد الالكتروني contact@media15.ma
مقالات الرأي المنشورة في موقع ميديا15 لا تعبر عن سياسة الخط التحريري للموقع












