

توفيق اجانا
ليست من عادتي أن أكتب مقالًا تحليليًا رياضيًا؛ فقد اعتدت الخوض في قضايا الثقافة والشأن المحلي، حيث المساحات أوسع للتأمل والقراءة الهادئة. لكن ما شهدناه بالأمس في مواجهة النادي المكناسي والجيش الملكي في نصف نهائي كأس العرش لكرة الطائرة، يفرض نفسه بقوة، ويدفع إلى كسر هذا “الاعتياد” والاقتراب من لعبة تستحق، هي الأخرى، نقاشًا صريحًا ومسؤولًا.
المواجهة، في بعدها الرياضي الخالص، كانت مثالًا للتكافؤ والندية. كل فريق عرف كيف ينتصر داخل قواعده بنفس الحصة (3 مقابل 2)، ما يعكس توازنًا واضحًا في المستوى والإعداد. غير أن هذا التعادل في عدد الانتصارات حسم عبر اللجوء إلى مجموع نقاط الأشواط، وهو معيار قانوني رجّح كفة الجيش الملكي ومنحه بطاقة العبور إلى النهائي. إلى هنا، تبدو الأمور منطقية وفق دفتر التحملات التقنية للعبة.
لكن خلف هذه الأرقام، تختبئ تفاصيل أخرى لا تقل أهمية، بل ربما كانت أكثر تأثيرًا في توجيه النتيجة. الحديث هنا عن التحكيم، الذي تحوّل من عنصر لضبط إيقاع المباراة إلى عنصر مثير للجدل، بل ومؤثر بشكل مباشر في نفسية اللاعبين وسير اللقاء.
من غير المفهوم، في رياضة تعتمد على الدقة والسرعة، أن يتم تعيين أربعة حكام للخطوط، ثم لا يتم الأخذ بقراراتهم في لحظات حاسمة.
هذا التناقض يطرح أكثر من علامة استفهام: ما جدوى هذا الطاقم التحكيمي الموسع إذا كانت الكلمة النهائية تُمارس بشكل فردي دون استئناس فعلي بباقي الحكام؟ وأين هي روح العمل الجماعي داخل المنظومة التحكيمية؟
قد يكون من السهل تبرير بعض الأخطاء بكون كرة الطائرة لعبة سريعة، تتطلب رد فعل آنٍ، وقد يقع الحكم في التقدير الخاطئ دون قصد. لكن تكرار الحالات المثيرة للجدل، خاصة في مباريات مصيرية، يحوّل الخطأ من مجرد “هامش بشري” إلى إشكال بنيوي يستوجب المعالجة.
ما حدث للنادي المكناسي، وفق ما ظهر في أطوار اللقاء، يعكس شعورًا مشروعًا بالغبن، ليس فقط بسبب نتيجة مباراة، بل بسبب إحساس بأن مجهود موسم كامل يمكن أن يُختزل في قرارات تحكيمية غير منسجمة.
وهنا نصل إلى جوهر النقاش: كيف يمكن تطوير كرة الطائرة الوطنية في ظل استمرار مثل هذه الإشكالات؟
الجواب لا يقتصر على انتقاد الحكام، بل يتجاوز ذلك نحو التفكير في أدوات حديثة تعزز الشفافية. اعتماد تقنية المراجعة بالفيديو (VAR) أو ما يماثلها في كرة الطائرة، لم يعد ترفًا، بل ضرورة. هذه التقنية، المعتمدة في العديد من المنافسات الدولية، تتيح تقليص هامش الخطأ، وتمنح الفرق إحساسًا أكبر بالعدالة، كما تحمي الحكم نفسه من ضغط القرارات الحاسمة.
إلى جانب ذلك، يبقى تأهيل الحكام وتوحيد معايير اتخاذ القرار أمرًا حيويًا، حتى لا نجد أنفسنا أمام مباراة تُدار بعقلية فردية بدل منظومة متكاملة. فالتحكيم، في نهاية المطاف، ليس خصمًا لأي فريق، بل ضامن لتكافؤ الفرص.
ما جرى في هذه المواجهة يجب أن يكون نقطة انطلاق لنقاش أوسع، لا لحظة عابرة تُطوى مع نهاية المباراة. لأن تطوير كرة الطائرة لن يتحقق فقط برفع مستوى الأندية واللاعبين، بل أيضًا بإرساء منظومة تحكيمية حديثة، عادلة، وقادرة على مواكبة سرعة اللعبة.
قد لا أكون متخصصًا في التحليل الرياضي، لكن ما حدث بالأمس لا يحتاج إلى خبير بقدر ما يحتاج إلى ضمير رياضي حيّ. كرة الطائرة المغربية اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تختار التطور ومواكبة المعايير الحديثة، أو تظل رهينة تفاصيل صغيرة قد تُفقدها الكثير من مصداقيتها.




