اش واقع فمدينتي

صهريج السواني.. حين يعود التاريخ وتغيب الرؤية

توفيق اجانا

مع عودة صهريج السواني إلى الحياة بعد تأهيله، تحوّل هذا المعلم التاريخي إلى قبلة يومية للمئات من سكان مكناس، خاصة في أيام الصيف الحارة. هذا المشهد يعكس تعطش الساكنة إلى فضاءات عمومية مهيأة ومفتوحة، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يواكب التدبير الجماعي والمؤسساتي هذا الإقبال المتزايد؟ وهل هناك رؤية شمولية تضمن أن يتحول الصهريج إلى رافعة للتنمية بدل أن يصبح مجرد نقطة ارتياد عابرة أو فضاء مهدد بالضغط العمراني والخدماتي؟

الاقتصار على استغلال الفضاء المجاور للصهريج في احتضان أنشطة موسمية محدودة لا يكفي، لأن هذه المعلمة قادرة على أن تتحول إلى مركز إشعاع دائم، إذا ما تم توظيفها بشكل منظم ومدروس على مدار السنة. فالرهان لا يقف عند حدود الترفيه اليومي لسكان مكناس وزوارها، بل يتعداه إلى جعل الصهريج فضاءً جامعًا تتلاقى فيه أبعاد السياحة والثقافة والمعرفة والاقتصاد المحلي.

ومن بين الجوانب التي تستحق الانتباه، مسألة استغلال الفضاء المحيط بصهريج السواني، إذ لا يعقل أن يبقى مظلمًا وفارغًا ومعرضًا لسلوكيات غير سليمة، في حين يمكن أن يتحول إلى مجال حيّ عبر إنشاء فضاءات بسيطة كالمقاهي المتنقلة، وأماكن مخصصة لألعاب الأطفال، مع تجهيزات إنارة تضفي عليه رونقًا وحياة ليلية منظمة. وفي السياق نفسه، يظل موضوع مواقف السيارات المحاذية للصهريج مطروحًا بقوة، حيث يبرز السؤال المشروع: هل تستفيد الجماعة فعلًا من مداخيل هذه المواقف وتوظفها في صيانة الفضاء وتطويره، أم أن هذه المداخيل تظل بلا أثر واضح على تدبير الموقع وتحسين خدماته؟

كما لا يمكن إغفال مسألة غياب المرافق العمومية التي تُعد من أبرز النقائص المسجلة. فمن غير المعقول أن يفتقر فضاء بهذا الحجم إلى مرافق عمومية، مع العلم أنها موجودة بالفعل، لكنها لا تُستعمل إلا خلال فترة المعرض الدولي للفلاحة ثم تُغلق طوال باقي السنة. أليس من الأجدر أن تبقى مفتوحة في وجه العموم على مدار العام، بما يضمن كرامة الزوار ويحافظ في الوقت نفسه على نظافة المكان وجودة استغلاله؟

البعد الثقافي يظل العنصر الأكثر غيابًا في المشهد الحالي، فصهريج السواني ليس مجرد بركة ماء تاريخية، بل هو جزء من ذاكرة مكناس العميقة ومن الهندسة المائية السلطانية التي تعكس عبقرية الحضارة المغربية. تحويل هذا الإرث إلى معلمة ثقافية يتطلب إدماج برامج عامة للتعريف بتاريخ المكان، وجعله مجالًا للتربية على التراث والهوية لدى الناشئة والزوار، في أفق أن يصبح ليس فقط نقطة ارتياد سياحي، بل أيضًا مجالًا للتعلم والتأمل في العمق الحضاري لمكناس. هذه الرؤية لا تقتصر على الحفاظ المادي للموقع، وإنما تتطلب رؤية مؤسساتية تُعلي من دوره الثقافي والتوعوي وتُحسن استثماره لصالح المدينة وأهلها.

إن التحدي اليوم ليس فقط في إعادة تأهيل صهريج السواني على المستوى المعماري، بل في نقله إلى مستوى أعلى من الاستغلال الإيجابي، عبر إدارة رشيدة تضع الثقافة والمعرفة في قلب المشروع، وتفتح له آفاقًا مستدامة تجعله جزءًا فاعلًا من التنمية الحضرية والاقتصادية والاجتماعية لمكناس.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى