اش واقع فمدينتي

ساكنة قصبة تيزيمي تُحيي دروسا في الأخلاق والتربية

تأبين الفنان محمد المصباحي يُعيد إلى الواجهة قيماً افتقدناها

توفيق اجانا

في مشهد إنساني مؤثر، جسّدت ساكنة قصبة تيزيمي بمدينة مكناس، امس الجمعة، واحدة من أرقى صور التضامن والتآزر، خلال تنظيمها لحفل تأبيني مهيب للفنان الراحل محمد المصباحي. لم يكن هذا الفعل النبيل مجرد لحظة وداع رمزية، بل شكّل درسًا في الأخلاق، والتربية، والانتماء الجماعي، أضاء ذاكرة المدينة العتيقة وأعاد إليها دفء القيم التي كادت أن تندثر.

ما قامت به ساكنة تيزيمي ليس حدثًا عابرًا، بل امتداد طبيعي لتقاليد متجذرة في تربة المدينة القديمة، حيث كان التضامن بين الجيران، والوقوف مع أهل الحي في لحظات الفرح والحزن، جزءًا من نسيج الحياة اليومية. لقد أعاد هذا التأبين الجماعي إحياء سُنّة حميدة، كانت من أبرز سمات أحياء مكناس العتيقة، قبل أن تُبدّدها مظاهر الفردانية والانقطاع الاجتماعي التي باتت تطغى على علاقاتنا المعاصرة.

لم تكن هذه المبادرة وليدة اللحظة أو ردّ فعل عاطفي عابر، بل تعبيرًا عن تربية راسخة توارثها أهل القصبة عن الأجداد والآباء، وتغذّت عبر عقود من العيش المشترك. لم تكتفِ ساكنة تيزيمي بتأبين فنان ترك بصمة في الذاكرة الفنية، بل قدّمت صورة راقية عن حسّها الإنساني والجماعي، ما يعكس أصالة القيم التي نشأ عليها سكان الحي.

لقد أعادت هذه المبادرة إلى الأذهان معاني الوفاء، والكرم، والإيثار، والاحترام المتبادل، وهي القيم التي طالما شكّلت الأساس الأخلاقي للمجتمع المغربي. إنها قيم تُغرس في البيوت، وتُمارَس في الأزقة، وتنعكس في المواقف، خصوصًا في اللحظات التي تُمحّص فيها الروابط الإنسانية.

مثل هذه القيم تُنعش روح التضامن الاجتماعي، وتمنح الأحياء الشعبية معناها الحقيقي، بوصفها فضاءات للتماسك والمواطنة العميقة.

وفي زمن تطغى عليه السرعة والانعزال، يبدو هذا التماسك العائلي والاجتماعي وكأنه صوت مقاومة ناعمة ضد التفتت الأخلاقي الذي يُهدد نسيجنا المجتمعي.

إن ما قامت به ساكنة الحي هو رسالة موجهة إلى المدن، وإلى الأحياء الشعبية التي كانت تُعرف بتماسكها، لكنها بدأت تفقد تدريجياً روحها الجماعية. لقد أعاد أبناء تيزيمي التأكيد على أن الحي الشعبي ليس مجرد بنايات متراصة، بل هو ذاكرة حيّة، وروح واحدة، وأخلاق مشتركة.

لقد غاب محمد المصباحي جسداً، لكنه كان حاضراً في كل تفاصيل التأبين: في العيون التي بكت، وفي الأيادي التي صلّت، وفي الأصوات التي ردّدت كلماته وألحانه. لكن الأهم من كل ذلك، أنه أعاد إلينا، ولو للحظة، الإيمان بأن القيم لا تموت، بل تنام أحياناً، وتحتاج فقط إلى من يوقظها… وتيزيمي فعلت.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى