

توفيق اجانا
- بعد إسدال الستار على الدورة السابعة عشرة من الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، تبرز تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان هذا الحدث الدولي ينعكس فعليًا على التنمية المحلية والاقتصاد القروي، أم أنه يظل مجرد واجهة دولية تخلو من أثر داخلي ملموس.
إذا كان من الإنصاف الحديث عن نجاحات النسخة السابعة عشرة من الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، من حيث التنظيم، والمشاركة، والزخم الإعلامي، فإنه من الضروري أيضًا التوقف عند الأسئلة الجوهرية التي طُرحت بعد إسدال الستار على هذا الحدث، خاصة فيما يتعلق بتأثيراته الاقتصادية والاجتماعية على المستوى المحلي.
لقد رسّخ الملتقى مكانته كأحد أبرز الفعاليات الفلاحية في القارة الإفريقية، حيث جمع مشاركين من أكثر من 70 دولة، ما أسهم في إغناء النقاش وتوسيع دائرة الشراكات الدولية. كما عرفت هذه الدورة تنظيم 55 ندوة علمية، واحتضان 12 قطبًا موضوعاتيًا على مساحة 124 ألف متر مربع، إضافة إلى مشاركة 1580 عارضًا، و530 فاعلًا في قطب المنتجات المجالية، مع حضور إعلامي واسع بلغ 850 ممثلًا عن مختلف المنابر الإعلامية، وأكثر من مليون زائر.
ورغم هذا الزخم اللافت، فإن الأسئلة الحقيقية التي تهم الفلاحين الصغار وسكان المدينة المستضيفة ظلت من دون إجابة.
بين الأمل والواقع: أثر غائب على الاقتصاد المحلي
لم يُعزّز هذا الحدث فقط من مكانة المدينة كوجهة فلاحية بارزة، بل أثار أيضًا العديد من التساؤلات حول تأثيراته الاقتصادية المحلية، وما قد يحمله من آمال وآفاق جديدة. كان الأمل كبيرًا في أن تسهم الدورة السابعة عشرة في تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي، وتعزيز الفرص الاستثمارية، وبناء شراكات تدعم القدرة التنافسية للفلاحين المحليين، وتُسهم في تنمية القطاع الزراعي.
غير أن الواقع يكشف أن الانتظار لا يزال السمة الغالبة، في ظل تساؤلات مشروعة حول مدى انعكاس هذا الملتقى على السوق المحلي، خصوصًا في ما يتعلق بدعم الفلاحين الصغار والتعاونيات القروية. هل تمكن هؤلاء من الاستفادة من الفرص التي أتاحها الملتقى؟ أم أن النتائج كانت أقل من التطلعات؟ إنها أسئلة حارقة، يمكن استثمارها مستقبلًا لتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
ورغم النجاح التنظيمي الكبير الذي ميز النسخة السابعة عشرة، فإن الأثر الفعلي لهذا الحدث على الاقتصاد المحلي ظل ضعيفًا، إن لم يكن منعدمًا في بعض جوانبه. فبالرغم من الزخم الإعلامي والمشاركة الدولية القياسية، فإن المدينة المستضيفة لم تستفد كما كان متوقعًا، سواء على المستوى التجاري، أو السياحي، أو الاستثماري.
عدد من الفاعلين المحليين وفعاليات المجتمع المدني عبّروا عن خيبة أمل واضحة، معتبرين أن الملتقى بات أشبه بـ”واجهة عرض دولية”، يُستهلك فيها الحدث إعلاميًا، دون أن يُترجم إلى فرص ملموسة للساكنة المحلية أو للاقتصاد القروي المحيط.
يتجلى هذا التناقض الحاد في أن الملتقى يستقطب سنويًا آلاف العارضين والزوار، ويُنظم على مساحات ضخمة بملايين الدراهم، في حين أن الساكنة المحلية لا تلمس أثرًا ملموسًا لذلك في حياتها اليومية، سواء من حيث دعم الأنشطة الاقتصادية الصغيرة، أو تحسين البنيات التحتية.
هذا الواقع يطرح علامات استفهام كبيرة حول الجدوى التنموية للحدث، ويدعو إلى إعادة التفكير في كيفية استثماره ليكون أداة تغيير حقيقية، لا مجرد تظاهرة موسمية يتكرر صداها دون أثر فعلي.
نحو ملتقى مُثمر للجميع
لتجاوز التحديات التي تواجه المنظمين، لا بد من اتخاذ خطوات فعالة تضمن تحقيق الفائدة لجميع الأطراف. ولضمان أن يكون الملتقى مُثمرًا، ينبغي تصميم برامج تنموية ميدانية تتكامل مع الفعاليات الرئيسية، وتشمل تطوير البنية التحتية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الابتكار في مجالات الفلاحة والصناعات المرتبطة بها.
ويجب أن تلبّي هذه البرامج احتياجات المجتمع المحلي بطريقة مستدامة، بما يضمن انسجام أهداف الملتقى مع متطلبات السكان والتعاونيات المحلية، وتعزيز قدرتها التنافسية في السوق نحو آفاق دولية.
ولا يمكن إغفال دور الجماعات المحلية والفاعلين الاقتصاديين في التخطيط والتقييم، حيث يُعد هذا الجانب أساسيًا لضمان نجاح الملتقى. من خلال توفير منصات للتواصل والتنسيق بين الأطراف المعنية، يمكن تعزيز فهم الاحتياجات المحلية وتحقيق التوافق حول الأهداف.
كما ينبغي إجراء تقييمات دورية بعد كل دورة لقياس الأثر، وتحديد الجوانب التي تحتاج إلى تطوير. ومن الضروري إنشاء آلية فعالة لتتبع الأثر الاقتصادي والاجتماعي للملتقى، باستخدام مؤشرات واضحة مثل نسبة زيادة الاستثمارات، وعدد فرص العمل المستحدثة، وتحسين جودة حياة الساكنة.
بل يجب أن تشمل هذه الآلية جمع البيانات وتحليلها بشكل دوري، لتمكين الجهات المنظمة من اتخاذ قرارات مستنيرة لتحسين الفعاليات المستقبلية وضمان تحقيق الفوائد المرجوة.
من خلال التعاون والتخطيط المشترك، يمكن تحقيق نتائج مثمرة تعود بالنفع على الجميع، وتُسهم في بناء اقتصاد محلي قوي ومستدام.
في نهاية المطاف، لا يمكن إنكار أن الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب يُعد مناسبة مهمة لإبراز تطور الفلاحة المغربية والانفتاح على الشراكات العالمية. غير أنه سيظل ناقصًا في رسالته ما لم يُحدث فرقًا ملموسًا في الواقع المحلي.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الزوار أو حجم التغطية الإعلامية، بل بمدى تحقيق العدالة المجالية والاقتصادية، وتمكين المواطن المحلي من أن يكون جزءًا مستفيدًا من هذه الدينامية، لا مجرد مشاهد لها






