ثقافة وفن

رحلة»… مسرح يفتح جراح الذات ويعرّي انهيارات الأسرة على الركح

مسرحية «رحلة» بين ضيق الذات و اتساع الانهيار

ضرمام عبد الرحيم

كأن الخشبة في مسرحية «رحلة» ليست فضاء مسرحيا بقدر ما هي جدار نفسي يتحسس فيه الإنسان ظلاله الضعيفة، ويختبر هشاشته أمام العواصف التي يخلقها بنفسه ، منذ اللحظة الأولى، حين يتصدر صوت الأم المكلوم مقدمة الخشبة ، يدرك المتلقي أنه أمام تجربة جريئة لا تتوسل الحكاية بقدر ما تشرح الجرح الإنساني المفتوح.
أسرة صغيرة… لكنها تفيض بانكسارات كبيرة …الأب ؛ إدريس الغارق في ماضيه المثقل بالمجد الذي ذبل ، يبحث عن دفء ضاع بين زجاجات الخمر وذكريات الفن.
الأم تحاول أن تلملم شتات البقية ببقايا صبرها، لكن الريح أقوى من ذراعيها و كينونتها ، الأبناء يحمل كل واحد منهم منفاه الخاص ، الإبن شمس يرفض الحياة لأنها في نظره مجرد امتداد للموت ،و الإبن نبيل يركض خلف حلم كتبه القدر بحبر السخرية و في حضن امرأة تخينة ، عالم يضيق حتى يصير غرفة ، عتمة ، يختنق فيها الأمل، ويتحول التواصل إلى صراخ صامت ، وفي هذا الاختناق، يدفع المخرج بالشخصيات نحو ما يبدو رحلة علاج جسدي، بينما الحقيقة أن العطب و الخلل و الخواء في الروح أعمق من أن يراه طبيب… دكتور مرزاق
فالطاولة التي يجلسون حولها ليست مجرد طاولة عشاء… إنها طاولة اعترافات مؤجلة ، ومسرح صغير لانفجار كل ما كان محتبسا خلف جدران الصمت
ومع اقتراب النهاية، لا يعود الركح فضاء للأداء، بل يصبح مقبرة للذكريات هناك، حيث يطرح فستان زفاف الأم بكل ما يحمله من وهج البدايات ( صورة الأم و هي تحمل الفستان ….و صورة الفستان وهو مسجى وسط الخشبة ) ، يتحول إلى شاهد على موت الحب، وموت ما كان يفترض أن يكون وطنا آمنا لأفراد باتوا غرباء عن بعضهم البعض.
إنها «رحلة» عنوانها التيه، ووجهتها اللاعودة ،رحلة البحث خارج البيت عن علاج يسكن في الحقيقة داخل البيت، بين أفراد نسوا كيف يكونون أسرة.
رحلة الإنسان حين يخسر ذاته أولا… ثم لا يجد سبيلا للالتفات إلى الوراء.
هكذا، يقدّم لنا العرض بصريا ونفسيا سؤالا مريرا وجريئا…كيف ننجو من أنفسنا… ونحن أصل الحكاية وكل ألم فيها؟
وكأن العرض يصرخ بما قاله الفيلسوف جان بول سارتر
«الجحيم هو الآخرون.»
االنص مقتبس عن مسرحية الكاتب العالمي يوجين أونيل ” رحلة النهار الطويلة خلال الليل ” دراماتورجيا و سينوغرافيا و إخراج محمد فركاني ، تشخيص : نورالدين زيوال ،هند بلعولة ، أيمن رحيم أمين التليدي ، الإضاءة ياسين الحور ، الملابس نادية فركاني.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى