كتاب رأي

سبتة ومليلية والهجرة السرية: هل آن الأوان لفتح الملف من جديد؟

ادريس العلوي باحث في التاريخ الحديث والمعاصر.

تتكرر بين الفينة والأخرى مشاهد مؤلمة لشباب مغاربة وافارقة يخاطرون بحياتهم في محاولة للوصول إلى سبتة ومليلية، أملاً في العبور إلى الضفة الأوروبية. بعضهم ينجح، وبعضهم يُعاد إلى المغرب، فيما يدفع آخرون أثمانًا باهظة نتيجة هذه المغامرات ويخلف هذا الوضع ماسي انسانية جد مؤلمة لشباب يافع يدفع حياته ثمنا لحلم لن يتحقق. ومع كل موجة جديدة من محاولات الهجرة، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل يكفي التعامل الأمني والاجتماعي مع الظاهرة، أم أن جذور المشكلة أعمق من ذلك؟ ولعل النقاش في نظري لا ينبغي أن يقتصر على معالجة نتائج الهجرة، بل يجب أن يشمل أيضًا البعد السياسي المرتبط بوجود مدينتي سبتة ومليلية تحت الإدارة الإسبانية.

فقد ظلتا عبر التاريخ القديم والوسيط جزءاً من الحضارة المغربية ومجالاً حيوياً للدول المتعاقبة على حكم المغرب .
تاريخيا احتلت البرتغال مدينة سبتة سنة 1415م، بينما سقطت مليلية تحت السيطرة الإسبانية سنة 1497م في سياق الحملات الإيبيرية على سواحل المغرب. آلت سبتة إلى التاج الإسباني رسمياً عام 1580م (وتم تثبيتها لاحقاً في معاهدات لاحقة) إثر اتحاد الممالك الإيبيرية، لتستمر المدينتان تحت السيطرة الأوروبية. ومنذ استقلال المغرب عام 1956م، تطالب الرباط باسترجاع المدينتين والجزر المجاورة باعتبارها أجزاء لا تتجزأ من التراب الوطني و”ثغوراً مسلوبة “،في المقابل تصنفهما مدريد منذ عام 1995م كمدينتين تتمتعان بالحكم الذاتي وتعتبرهما الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي في القارة الإفريقية، وتخضعان لتوترات سياسية مستمرة واختلاف في التكييف القانوني والسياسي بين البلدين.

فاستمرار هذا الوضع يخلق واقعًا حدوديًا استثنائيًا يجعل المدينتين نقطة جذب دائمة للراغبين في الوصول إلى أوروبا، ويؤدي إلى تكرار مشاهد الاقتحام ومحاولات العبور غير النظامية.
ويستند هذا الطرح إلى أن المغرب يعتبر سبتة ومليلية جزءًا من أراضيه، بينما تتمسك إسبانيا بسيادتها عليهما، وهو ما يجعل الملف من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين البلدين. ومن ثم،فان اعادة طرح القضية عبر القنوات الدبلوماسية والرسمية قد يكون خيارًا استراتيجيًا يستحق النقاش، بدل الاكتفاء بالتعامل مع النتائج الميدانية للهجرة.

ان معالجة هذه الظاهرة في نظري المتواضع تتطلب رؤية بعيدة المدى، لا تقتصر على تشديد المراقبة الأمنية أو إطلاق حملات توعية، بل تشمل أيضًا مقاربة سياسية تعالج، أحد العوامل التي تمنح هذه المنطقة خصوصيتها.ان فتح نقاش هادئ ومسؤول حول مستقبل المدينتين قد يسهم في البحث عن حلول أكثر استدامة، حتى وإن كانت المواقف الحالية للمغرب وإسبانيا متباعدة.

غير أن هذا الطرح لا يلغي حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن دوافع الهجرة متعددة. فالبطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف فرص التشغيل، وطموح الشباب إلى تحسين أوضاعهم الاقتصادية، كلها عوامل تدفع آلاف الأشخاص إلى التفكير في الهجرة، سواء عبر سبتة ومليلية أو عبر مسارات أخرى. ولذلك، فإن أي معالجة فعالة لهذه الظاهرة تحتاج أيضًا إلى سياسات تنموية توفر فرص العمل، وتعزز الاستثمار، وتفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب داخل وطنهم.

إن نجاح أي استراتيجية للحد من الهجرة غير النظامية يرتبط بقدرتها على الجمع بين التنمية الاقتصادية، والإصلاح الاجتماعي، وإدارة الملفات السياسية والدبلوماسية بحكمة. فالهجرة ليست مجرد قضية حدود، بل هي انعكاس لواقع اقتصادي واجتماعي وإنساني معقد.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى