اش واقع فمدينتي

وفاء لمسيرة من الإبداع والعطاء… جماعة مكناس تحتفي بالموسيقار مولاي إدريس الوزاني الشاهدي

توفيق اجانا / عدسة رشيد ايت بويعلي

في مشهد ثقافي يفيض بالوفاء والاعتراف بالجميل، احتضن المعهد الجماعي للموسيقى والرقص بمدينة مكناس ، امس يوم الجمعة 3 يوليوز الجاري، حفلا تكريميا نظمته جماعة مكناس على شرف الموسيقار الكبير وعازف الة القانون الأستاذ مولاي إدريس الوزاني الشاهدي، تحت شعار: “وفاء لمسيرة من الإبداع والعطاء”، وذلك بحضور ثلة من الفنانين والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والفني.

ولم يكن هذا التكريم مجرد احتفاء بفنان متمكن في العزف على الة القانون، بل كان احتفاء بمسيرة انسان أفنى سنوات عمره في خدمة الموسيقى المغربية، وأسهم في تكوين أجيال من العازفين الذين تتلمذوا على يديه، فحملوا مشعل هذا الفن الأصيل إلى مختلف المنابر الفنية والثقافية.

ويعد الأستاذ مولاي إدريس الوزاني الشاهدي واحدا من أبرز الأسماء التي ارتبطت بالة القانون بمدينة مكناس، حيث راكم تجربة فنية وتكوينية غنية جعلته من أمهر العازفين وأبرز الأساتذة المتخصصين في هذه الالة الراقية، فكان مدرسة قائمة بذاتها، تجمع بين الاتقان الأكاديمي، والاحساس الفني، والحرص على نقل المعرفة إلى الاجيال الصاعدة.

غير أن ما يميز شخصية المحتفى به لا يقتصر على عطائه الفني، بل يمتد إلى خصاله الإنسانية الرفيعة. فهو ابن المدينة العتيقة بمكناس، وتحديدا بحي الزاوية مولاي التهامي، حيث نشأ في بيئة شعبية أصيلة، عرف فيها بتواضعه وحسن أخلاقه وقربه من الناس، وهي صفات جعلته يحظى بمحبة كل من عرفه، سواء داخل الوسط الفني أو خارجه.

ومن الجوانب المضيئة في سيرته أن الفن لم يكن بالنسبة إليه وسيلة للارتزاق أو انتظار المناسبات والحفلات الموسمية، بل كان رسالة وشغفا يمارسه إلى جانب عمله اليومي. فقد اشتغل لسنوات في مهنة الخياطة، وجمع بين اتقان هذه الحرفة الشريفة وبين شغفه بالموسيقى، ليقدم نموذجا يحتذى في قيمة العمل والاجتهاد والاعتماد على النفس.

وتحمل هذه التجربة رسالة عميقة تستحق التأمل، مفادها أن كثيرا من الفنانين المغاربة، خاصة في الماضي، كانوا يمارسون حرفا ومهنا مختلفة، ولم يجعلوا الفن موردا وحيدا للعيش أو وسيلة لانتظار المواسم الثقافية والمهرجانات. فقد كانوا يؤمنون بأن العمل قيمة، وأن الإبداع يزدهر عندما يتحرر صاحبه من الارتهان للظروف والمناسبات، وهو ما انعكس إيجابا على عطائهم الفني واستقلاليتهم.

ويجسد الأستاذ مولاي إدريس الوزاني الشاهدي هذه المدرسة الأصيلة، إذ استطاع أن يشق طريقه بثبات، فوفق بين حرفة الخياطة التي مارسها بكل شرف، وبين مسيرته الفنية التي أوصلته إلى مصاف كبار العازفين على الة القانون، كما أسهم في تكوين عدد كبير من الممارسين الذين يواصلون اليوم حمل هذا الارث الموسيقي الثمين.

ان تكريم هذه القامات الفنية لا يقتصر على الاحتفاء بأشخاصها، بل هو تكريم لذاكرة مدينة مكناس الثقافية، وحفظ لجزء من تاريخها الفني، ورسالة إلى الأجيال الجديدة بأن النجاح الحقيقي يصنعه الاخلاص في العمل، والتواضع، والصبر، والايمان بأن الفن رسالة نبيلة قبل أن يكون مهنة.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في حق الأستاذ مولاي إدريس الوزاني الشاهدي، أن سيرته تؤكد أن الإنسان قد يجمع بين إبرة الخياط وريشة الفنان، وبين كسب الرزق بكرامة وصناعة الجمال بإبداع، ليترك خلفه أثرا لا يقاس بعدد السنوات، وإنما بما غرسه في النفوس من علم وقيم ومحبة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى