
توفيق اجانا
تستعد العاصمة الإسماعيلية مكناس لاحتضان الدورة السادسة من مهرجان “عيساوة: مقامات وإيقاعات عالمية”، في موعد ثقافي وفني بات يشكل محطة سنوية بارزة ضمن الأجندة الثقافية الوطنية، لما يحمله من أبعاد تراثية وروحية وحضارية تتجاوز حدود الاحتفال الفني إلى الإسهام في صون الذاكرة الجماعية، وتثمين الموروث الثقافي المغربي، وتعزيز إشعاع المدينة على المستويين الوطني والدولي.
ويكتسي هذا المهرجان أهمية خاصة باعتباره يحتفي بأحد أبرز مكونات التراث اللامادي المغربي، المتمثل في الطريقة العيساوية التي ارتبطت بمدينة مكناس منذ تأسيسها على يد القطب الصوفي سيدي محمد بن عيسى الكامل. فقد شكلت الطريقة العيساوية، على امتداد قرون، مدرسة روحية وثقافية أسهمت في ترسيخ قيم التسامح والتعايش والتضامن داخل المجتمع المغربي، كما حافظت على حضورها المتواصل باعتبارها أحد المكونات الأساسية للهوية الروحية والثقافية للمملكة.
ولا يقتصر المهرجان على الاحتفاء بالتراث اللامادي فحسب، بل يشكل كذلك مناسبة لإبراز الجهود المبذولة في مجال المحافظة على التراث المادي للعاصمة الإسماعيلية، من خلال تسليط الضوء على المشاريع الكبرى الخاصة بتأهيل وتثمين المدينة العتيقة بمكناس، والتي تندرج ضمن رؤية استراتيجية تروم الحفاظ على الموروث الحضاري والمعماري للمدينة وإعادة الاعتبار لمعالمها التاريخية. وتكتسي هذه المشاريع أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة مكناس كإحدى المدن التاريخية للمملكة، وما تزخر به من مؤهلات عمرانية وتراثية تجعلها رافعة للتنمية الثقافية والسياحية.
ومن هذا المنطلق، يتحول المهرجان إلى فضاء يربط بين الماضي والحاضر، حيث يتم استحضار العمق التاريخي للمدينة إلى جانب إبراز الأوراش التنموية التي تعرفها، بما يجعل الثقافة والتراث رافعتين أساسيتين للتنمية المحلية وتعزيز الجاذبية السياحية والاقتصادية للعاصمة الإسماعيلية.
كما يحمل المهرجان بعدا وطنيا عميقا من خلال تسليط الضوء على دور التصوف المغربي في ترسيخ الوحدة الروحية للمغاربة وتعزيز الثوابت الدينية والوطنية للمملكة. فقد لعبت الزوايا والطرق الصوفية عبر التاريخ أدوارا محورية في نشر قيم الوسطية والاعتدال، وفي توحيد النسيج المجتمعي المغربي، وذلك تحت الرعاية المتواصلة لسلاطين وأمراء الدولة العلوية الشريفة الذين جعلوا من الوحدة الدينية والمذهبية أحد أسس استقرار الدولة المغربية واستمرارها عبر العصور.
وفي هذا السياق، تبرز مدينة مكناس باعتبارها إحدى الحواضر التاريخية الكبرى للمملكة المغربية، وفضاءا ارتبط بإشعاع الدولة العلوية وتطور مؤسساتها السياسية والدينية والحضارية. فقد شكلت العاصمة الإسماعيلية، خلال فترات مهمة من تاريخ المغرب، مركزا للحكم والإدارة والإشعاع الحضاري، مما منحها مكانة متميزة في الذاكرة الوطنية.
كما ينسجم احتضانها لهذا المهرجان مع الإرث الحضاري والدبلوماسي العريق للمملكة المغربية، التي عرفت عبر تاريخها انفتاحا مبكرا على العالم وإقامة علاقات دولية رائدة، من بينها العلاقات المغربية الأمريكية التي تعود إلى عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، والتي تجسد عمق الحضور المغربي في التاريخ الدبلوماسي الدولي. وتؤكد هذه المحطات المكانة التي احتلها المغرب عبر تاريخه كأرض للحوار والتواصل والتعاون بين الشعوب..
ومن المنتظر أن تعرف هذه الدورة مشاركة واسعة للطوائف العيساوية القادمة من مختلف جهات المملكة، لاسيما من المدن التي حافظت على هذا التراث الروحي والفني وأسهمت في استمراره وتطويره. كما ستشكل هذه المشاركة مناسبة لإبراز غنى وتنوع التعبيرات العيساوية واختلاف تجلياتها الفنية والثقافية بين مختلف المناطق المغربية، في صورة تعكس وحدة الهوية الوطنية وتنوع روافدها الثقافية والحضارية.
وإلى جانب البعد التراثي والروحي، يراهن المهرجان على تعزيز مكانة مكناس كوجهة ثقافية وسياحية متميزة، من خلال استقطاب الزوار والباحثين والمهتمين بالتراث المغربي من داخل المملكة وخارجها. كما يسهم في التعريف بالمؤهلات التاريخية والعمرانية التي تزخر بها المدينة، ويعزز حضورها ضمن خريطة التظاهرات الثقافية الكبرى على الصعيدين الوطني والدولي.
إن مهرجان “عيساوة: مقامات وإيقاعات عالمية” لم يعد مجرد تظاهرة فنية عابرة، بل تحول إلى مشروع ثقافي واستراتيجي متكامل يهدف إلى صون التراث المغربي وتثمينه، وتعزيز مكانة مكناس كعاصمة للتصوف والتراث والثقافة. ومن خلال هذا التراكم النوعي، يرسخ المهرجان مكانته كموعد سنوي يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين حفظ الذاكرة واستشراف المستقبل، بما يخدم إشعاع العاصمة الإسماعيلية ويعزز حضورها على الساحة الثقافية العالمية
يتبع…






