
توفيق اجانا
دخلت دائرة مكناس مبكراً أجواء الترتيبات المرتبطة بالاستحقاقات التشريعية المقبلة، بعدما برزت عدة أسماء داخل حزب الاستقلال تقدمت بطلبات التزكية لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة، في مشهد يعكس دينامية تنظيمية متسارعة، لكنه يكشف في العمق عن رهانات سياسية وتنظيمية تتجاوز مجرد التنافس الانتخابي التقليدي.
ووفق معطيات متداولة داخل الحزب، يبرز ضمن هذا السباق اسم مروى الأنصاري، البرلمانية الحالية عن اللائحة الجهوية، وابنة القيادي البارز في الحزب عبد الواحد الأنصاري، إلى جانب حسن اليماني، رئيس جماعة سيدي سليمان مول الكيفان والنائب البرلماني الحالي، الذي يسعى إلى تجديد ترشيحه باسم الحزب، فضلاً عن هشام السليماني، النائب الأول لرئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة فاس مكناس، والذي تقدم بدوره بطلب رسمي لنيل التزكية.
كما تشير المعطيات ذاتها إلى بروز اسم أسامة الأنصاري، المحامي والدكتور في الحقوق وعضو المجلس الوطني للحزب، إلى جانب عبد الجليل بوسيف، دكتور في الفكر التربوي وعضو المجلس الوطني للحزب وأمين المكتب الإقليمي لـالاتحاد العام للشغالين بالمغرب بمكناس، والذي تقدم بطلب رسمي للترشح باسم الحزب.
غير أن أكثر ما يثير النقاش داخل هذا السباق هو عودة الجدل المرتبط بما يعرف بـ”العائلات السياسية”، خاصة مع إعادة طرح اسم مروى الأنصاري، التي سبق أن وصلت إلى البرلمان خلال انتخابات 2021 عبر اللائحة الجهوية للحزب بجهة فاس مكناس، في فترة كان فيها والدها في موقع قيادي بارز داخل الحزب على المستوى الجهوي.
هذا المعطى يمنح للنقاش الحالي بعداً سياسياً يتجاوز الشخصي، إذ يرى متابعون أن بروز أسماء تنتمي إلى عائلات سياسية نافذة يعيد إلى الواجهة الأسئلة المرتبطة بتكافؤ الفرص داخل الأحزاب، وحدود تأثير الامتداد العائلي والتنظيمي في صناعة التزكيات والمسارات السياسية.
وتزداد حساسية هذا النقاش بالنظر إلى أن اللوائح الجهوية، التي أُحدثت أساساً بهدف توسيع تمثيلية النساء والشباب وتجديد النخب، أصبحت في نظر عدد من المتابعين مجالاً لتموقع أبناء وأقارب شخصيات سياسية بارزة، وهو ما أثار منذ انتخابات 2021 نقاشاً واسعاً حول فلسفة هذه الآلية ومدى تحقيقها لأهدافها الأصلية.
وفي حالة مروى الأنصاري، فإن الجمع بين صفة “البرلمانية الحالية” وكونها ابنة قيادي حزبي جهوي بارز، يجعل جزءاً من النقاش يتجه نحو التساؤل حول ما إذا كان الأمر يعكس مساراً سياسياً مستقلاً قائماً على الكفاءة والحضور الحزبي، أم امتداداً لمنطق إعادة إنتاج النخب داخل الدوائر نفسها.
وفي المقابل، يرى آخرون أن التركيز فقط على البعد العائلي قد يحمل نوعاً من الاختزال، باعتبار أن العمل السياسي يظل من حق أي مواطن أو مواطنة تتوفر فيه الشروط القانونية والتنظيمية، وأن الحسم في النهاية يبقى مرتبطاً بمدى القدرة على الإقناع والتعبئة والحضور الميداني.
ومن زاوية أوسع، فإن تعدد طلبات التزكية داخل الحزب بمكناس يكشف أيضاً عن صراع هادئ حول إعادة ترتيب موازين القوى داخل التنظيم المحلي والإقليمي، خاصة مع تنوع بروفايلات المرشحين بين المنتخب الجماعي، والفاعل الاقتصادي، والإطار الأكاديمي، والقيادي النقابي، والبرلماني الحالي.
كما أن تقديم ملفات الترشح في هذه المرحلة المبكرة لا يرتبط فقط بالرغبة في خوض الانتخابات، بل يُقرأ أيضاً كمحاولة لإثبات الحضور السياسي والتنظيمي داخل الحزب، وفرض الذات في النقاش الداخلي قبل الحسم النهائي من طرف القيادة المركزية للحزب، بقيادة الأمين العام نزار بركة.
وفي العمق، تعكس هذه التطورات سؤالاً أعمق يواجه عدداً من الأحزاب المغربية اليوم: هل تتجه الأحزاب فعلاً نحو تجديد نخبها على أساس الكفاءة والتدرج الحزبي؟ أم أنها ما تزال تعيد إنتاج نفس الوجوه والعائلات السياسية داخل المؤسسات المنتخبة، ولو بأشكال جديدة؟
ويبقى المؤكد أن معركة التزكيات داخل حزب الاستقلال بمكناس لن تكون مجرد محطة تنظيمية عابرة، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الحزب على تدبير التوازن بين الشرعية التنظيمية، والحضور الانتخابي، ومطلب تجديد النخب، في ظل تصاعد النقاش حول مستقبل الممارسة السياسية وتمثيلية الأحزاب داخل المؤسسات المنتخبة.






