اش واقع فمدينتي

أنس الأنصاري بين نفوذ المال وغضب الشارع… رهان محفوف بالمخاطر

توفيق اجانا

تدخل الاستحقاقات التشريعية المقبلة في المغرب في سياق يتسم بقدر متزايد من البراغماتية الحزبية، حيث لم تعد معايير الاختيار قائمة على التدرج السياسي أو الكفاءة التأطيرية بقدر ما أصبحت مرتبطة بالقدرة على التأثير والنفوذ. في هذا الإطار، يبرز اسم أنس الأنصاري كأحد الرهانات التي يعول عليها حزب الأصالة والمعاصرة بدائرة مكناس، غير أن هذا الرهان يطرح، منذ البداية، أسئلة أكثر مما يقدم من أجوبة.

قرار التزكية، في عمقه، لا يعكس قوة تنظيمية بقدر ما يكشف عن فراغ سياسي محلي حاول الحزب ملأه بخيار جاهز: رجل أعمال يمتلك شبكة علاقات وامتداداً اقتصادياً. غير أن هذا المنطق، الذي يقوم على تحويل الرأسمال المالي إلى رأسمال انتخابي، يعكس أزمة أعمق داخل الأحزاب، التي باتت تعوض ضعفها التأطيري بالاعتماد على شخصيات “وازنة” من خارج الحقل السياسي، في رهان قد يبدو سريع المردودية لكنه محفوف بكلفة سياسية على المدى المتوسط.

غير أن الإشكال لا يقف عند حدود منطق الاختيار، بل يمتد إلى كلفة هذا الاختيار في الوعي الجماعي. فملف عمال “سيكوم” لا يزال حاضراً في النقاش المحلي، ليس فقط كقضية اجتماعية، بل كرمز للاحتقان الذي قد يطفو مجدداً في سياق انتخابي حساس. هذا الملف، الذي تتداوله أطراف متعددة بقراءات متباينة، يستحضر ضمن النقاش العمومي المحيط بترشيح الأنصاري، ويوظف من قبل خصومه كأحد عناصر التقييم السياسي، دون الجزم بأي مسؤولية قانونية مباشرة، لكنه يظل بثقل رمزي واضح في تشكيل صورة المرشح لدى فئات من الناخبين.

الأخطر من ذلك، أن الرهان على “النجاح الاقتصادي” كمدخل للشرعية السياسية لم يعد يحظى بالإجماع كما كان في السابق. فالناخب لم يعد يكتفي بخطاب خلق فرص الشغل أو الاستثمار، بل أصبح يطرح أسئلة أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة هذا النجاح وحدوده: هل هو نجاح منصف؟ هل ينعكس فعلياً على تحسين الأوضاع الاجتماعية؟ أم أنه يبقى محصوراً في دائرة ضيقة من المصالح؟

في هذا السياق، يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة لا يراهن فقط على شخص، بل على نموذج كامل في الفعل السياسي، يقوم على استثمار النفوذ الاقتصادي في المعركة الانتخابية. غير أن هذا النموذج، رغم ما يوفره من أدوات تعبئة، يظل هشا أمام اختبار الثقة، خاصة عندما يتقاطع مع قضايا اجتماعية حساسة يمكن أن تتحول إلى نقطة ارتكاز في خطاب الخصوم.

أما الحديث عن أن الحسم سيكون فقط عبر صناديق الاقتراع، فهو تبسيط لا يعكس تعقيد المشهد الانتخابي. فهذه الصناديق نفسها تتأثر بعوامل متعددة، من بينها القدرة على التعبئة، وشبكات النفوذ، وطبيعة الخطاب السياسي، وهو ما يجعل النتائج في كثير من الأحيان تعبيرا عن توازنات أكثر منها حكما موضوعيا على البرامج أو الأشخاص.

في المحصلة، لا يبدو أن الحزب أمام “ورقة رابحة” بقدر ما هو أمام اختبار حقيقي لقدرته على قراءة المزاج الاجتماعي. فإما أن ينجح في تسويق مرشحه رغم الجدل، وهو نجاح قد يكون مكلفا من حيث الصورة والمصداقية، أو أن يفشل، وحينها سيكون قد قدم دليلا إضافيا على أزمة الاختيار داخل بنيته التنظيمية.

مكناس اليوم ليست مجرد دائرة انتخابية عادية، بل فضاء لاختبار معادلة معقدة بين المال والسياسة، بين النفوذ والثقة. وفي هذه المعادلة، قد لا يكون الحسم لمن يملك الإمكانيات الأكبر، بل لمن يستطيع إقناع الناخبين بأنه يمثلهم فعلا، لا أنه مجرد امتداد لمصالح تبحث عن موقع داخل المؤسسات.

“ويبقى هذا التحليل في إطار قراءة سياسية قابلة للنقاش، في انتظار ما ستفرزه الدينامية الانتخابية على أرض الواقع.”.

يتبع…

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى