كتاب رأي

مكناس وحلم “الباص واي”

برعي محمد

في كل زاوية من مكناس، تسمع نفس النغمة وتُكتب نفس النوطة، لكن كل عازف يصرّ على عزفها بطريقته الخاصة؛ فلا انسجام ولا لحن، فقط ضجيج يشبه الحوار، لكن لا يُفهم! قد يبوح أحدهم بأن الجماعة لا تعمل، كأنها آلة فقدت ترسها، ويؤكد آخر أن المجتمع المدني غائب، لا يتواصل، ظلّ بلا جسد. ثم يأتي من هو أكثرهم وعيًا فيشير إلى غياب الكل، نعم الكل: الفرد، الجماعة، المؤسسات والضمير. كلٌّ يرى جزءًا من الصورة، لكن الحقيقة لا تُرى إلا من بعيد…
المشكلة ليست في الغياب وحده، بل في توزيع الغياب. والحقيقة الصريحة ليست في من غاب، بل في من لم يسأل: لماذا غاب؟ ويترتب عن بساطة الأسئلة أجوبة جاهزة تحمل في طياتها ما تحمل، وفي كنهها تتوارى أعماق الفكر وتتداخل خيوط المعاني، كأنها مفاتيح تفتح شيئًا من التأمل والدهشة، وتدعونا إلى الغوص في بحر من التساؤلات التي قد لا تنتهي، وكأنها ما قيلت لتجاب بل لتوجع. تُلقى كأنها استفسار لكنها في الحقيقة استنكار، تُصاغ كأنها بحث عن حل لكنها تنزف وجعًا لا يُداوى. هي ليست أسئلة بل مرايا مكسورة تعكس واقعًا لا يجرؤ أحد على لمسه:
(المدينة مهمَّشة… لا وجود للتنمية… المجتمع المدني، ماذا يفعل؟…)

لكن خلف هذه التساؤلات المبطنة والمتكررة، يختبئ سؤال أعمق: هل الجماعة وحدها مسؤولة؟ أم أن الجميع يساهم في إعادة إنتاج هذا الواقع؟

حين نتحدث عن المدينة لا يبدو أن السؤال يتجه نحو الطريق المرغوب ولا نحو آليات الخروج من النفق المظلم الذي ابتلع ملامحها، بل نكتفي في أغلب الخطابات بوصف الحفر التي تعترضها وعدد التشققات التي تنخر جسدها، وكأننا نعيد خيباتنا على جدرانها المهترئة – هذا إن صح القول. لا أحد يرسم ملامح مستقبلها، ولا أحد يجرؤ على تخيلها في صورة أفضل. بل نعيد تدوير الألم ونصوغ خسائرنا بلغة جديدة، لكننا نظل حبيسي مربع الشكوى.

مكناس لا تحتاج إلى من يصف وجعها أو يكرر مشاهد أضوائها، بل إلى من يضيء الطريق بشموع الأمل والعمل. وذاك هو النور الحقيقي لتنهض من عتمتها.

والحقيقة أننا في كثير من الأحيان لا نفتقد إلى الحلول بقدر ما نفتقد إلى الإرادة، ولا نفتقر إلى الرؤية بقدر ما نفتقر إلى من يؤمن بها ويعمل لأجلها.

نريد مكناس أن تُعرف كمسار واحد… مثل “الباص واي”.
لأن مكناس ليست مجرد جغرافيا، بل كائن حي، يتنفس من خلال أهلها، ويشفى حين يتكاتفون، ويضيء حين يقررون أن يكونوا النور. تمامًا مثل “الباص واي”، فـ”الباص واي” ليس مجرد وسيلة نقل، بل رمز للانضباط، للوجهة الواضحة، للمسار الذي لا يتفرع ولا يتعثر.

نريد مكناس أن تسير في خط مستقيم نحو التنمية، أن تتخلص من التشتت المجتمعي، ومن غياب التنسيق بين الفاعلين.

وبلغة المنطق التنموي والمفهوم الديمقراطي والفلسفة المستقبلية، التنمية لا تُصنع داخل مكاتب الجماعة فقط:

أين الجمعيات التي تملك القدرة على التأثير؟

أين المقاولات التي يمكنها الاستثمار في المدينة؟

أين الجامعات التي تنتج المعرفة؟

أين المواطن الذي يراقب، يشارك، ويقترح؟

مكناس قد لا تنهض إلا حين تتكامل الأدوار.
مكناس لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات، بل إلى توزيع حقيقي للأدوار.
مكناس لا تنهض إلا حين يتحول المجتمع المدني من متفرج إلى فاعل، من مراقب ينتقد إلى شريك يبادر، من صوت في الهامش إلى يد في العجين.
مكناس لن تنهض إلا حين يدرك الجميع أن التنمية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل مسؤولية مشتركة تبدأ من أصغر التفاصيل: من احترام القانون، من الحفاظ على الفضاء العام، من مساءلة من يعبث بالمصلحة الجماعية.

مكناس لن تُبنى قط بالأسمنت والحجر، بل تُبنى بالثقة، بالتعاون، وبالإيمان بأن لكل فرد دورًا، وأن غياب أي دور هو عقبة في جدار النهضة بشموليتها.

النهضة لا تُستورد ولا تُفرض، بل تُصنع محليًا حين نقرر جميعًا أن نكون جزءًا منها.
لنكن جميعًا ذلك “الباص واي” الرمزي الذي يوحد المسار، ويقود مكناس نحو مستقبل تستحقه.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى