
توفيق اجانا
رحيل والد ناصر الزفزافي لم يكن حدثًا عائليًا عابرًا، بل لحظة مؤثرة وضعت المؤسسات المغربية أمام امتحان حقيقي لمصداقية مقاربتها في تدبير الشأن السجني. فالمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، بتنسيق مع السلطات العمومية، وجدت نفسها أمام مسؤولية مغايرة هذه المرة: مسؤولية إنسانية تتجاوز الحسابات الأمنية الصرفة، لتؤكد أن الإنسان يظل في صميم أي سياسة عمومية.
لقد برز هذا الوعي من خلال تفاعل المؤسسات مع مطلب تمكين ناصر الزفزافي من وداع والده، وهو ما أعاد الاعتبار إلى المقاربة الاجتماعية التي تمنح الأولوية للعلاقات الأسرية والبعد الوجداني قبل أي اعتبارات أخرى. فالسجين، مهما كان وضعه القانوني، يبقى ابنًا وأخًا وإنسانًا له الحق في ممارسة مشاعره الطبيعية في لحظات الفقد.
القانون المغربي يمنح أصلًا هذا الحق، حيث تنص المقتضيات المتعلقة بالمؤسسات السجنية على إمكانية منح رخص استثنائية للنزلاء من أجل حضور جنازات ذويهم أو زيارة أقاربهم المرضى، وذلك في إطار إنساني يهدف للحفاظ على الروابط الأسرية والاجتماعية، مع ترك تقدير ذلك للسلطات المختصة. هذه المقتضيات تعكس فلسفة عميقة: أن العقوبة السجنية لا تعني تجريد الإنسان من إنسانيته، بل بالعكس، تمنحه الفرصة لإعادة بناء ذاته وعلاقته بمجتمعه.
إن المقاربة التي تبنتها المندوبية والسلطات في هذه الحالة تجسد توازنًا رفيعًا بين صرامة القانون ورحمة المجتمع، وتؤكد أن الأمن وحده لا يكفي إذا لم يتعزز بلمسة وجدانية تراعي ظروف الإنسان. فما قيمة العدالة إذا لم تكن مرفوقة بالرحمة؟ وما جدوى القانون إذا لم يكن غايته الحفاظ على إنسانية الفرد داخل المجتمع؟
كثير من المتتبعين رأوا أن هذا الموقف يعطي بعدًا جديدًا لفلسفة “إعادة الإدماج” التي لم تعد تقتصر على برامج التكوين والإصلاح، بل شملت كذلك صون الروابط العائلية والاعتراف بحقوق السجين في التعبير عن حزنه ووداع أحبته.








