
الطيب بنعبيد
يصدق المثل ( في ظل كل نقم نعمة ) في خضم الخلاف القديم الجديد (المغربي-الجزائري) ، في عدة مجالات ومواضيع ، فإلى حدود الأمس القريب كان المغاربة يعتبرون أن كل ما هو مغربي فهو لا يحتاج إلى برهنة و إثبات هوية أو لمن يدافع عنه أو يثبت مغربيته ، وأنه من قبيل المسلمات ، ولذلك ، استكانوا لهذه الثقة العمياء وتجاهلوا الخوض في غمار البحث في التراث ، بل مارسوه وتعاملوا معه تطبيقيا وأهملوه دراسة ونشرا ، بل وحتى هذه الممارسة بدأت تعرف نوعا من الخفوت بسبب الإهمال والتجاوز والاستبدال بما هو جديد معاصر قادم من هنا وهناك … ولكن ما لم يكن بحسبان المغاربة هو هجوم بعض الأشقاء الجزائريين الراغبين في تعميق الهوة بين الشقيقين ، على كل هذا التراث بكل مجالاته ، والنبش فيه ثم نسبته لهم ، لنوايا نحن لسنا بحاجة للخوض فيها .
وهنا وجد المغاربة أنفسهم ملزمون بالرد على هذه الادعاءات لدحضها ، وإثبات أصالة ومغربية موضوع السرقة متسلحين بالمرجعيات التاريخية والأدلة النقلية المدونة والشفهية والأدلة العقلية وغيرها من سبل الاستدلال الممكنة بحسب الموضوع ، وهذه العمليات أماطت الرماد على الموروث المغربي ، وأعادته للواجهة ، وانخرطت في هذه العملية وسائل الإعلام والتواصل ومختلف الوسائل السمعية البصرية والأنترنيت وأصحاب المواقع والصفحات ..يخوضون في المكون الحضاري موضوع السرقة والخلاف بالبحث والنقاش والاستدلال ، وهو ما جعل هذا الموروث الثقافي والحضاري يحضى بدراسات معمقة من جميع النواحي .
هذا الخلاف شمل موروثا ثقافيا متعدد المجالات فتطرق لأنواع من الملابس التقليدية مثل الجلابة والقفطان والسلهام والحلي وغيرها ، كما تطرق إلى الأطعمة مثل الكسكس والطاجين وبسطيلة والحريرة وغيرها وتطرق الى الفنون المعمارية كالزليج والجبص والاقواس والسقايات وغيرها وتطرق الى الفنون التراثية والغناء مثل لعلاوي والأحيدوس والتبوريدة و كناوة والأغاني ، وازدادت الأمور تعقيدا عندما بدأ هذا التطاول يشكك في مغربية شخصيات تاريخية من أمثال طارق بن زياد وعبد الكريم الخطابي وسيدي احمد التيجاني ويوسف بن تاشفين وابن بطوطة وسيدي بوعمامة و.. بل والغريب أن هذا الخلاف شمل حتى المدن والمعالم والأماكن والعادات مثل مغربية مدينة وجدة وفجيج وجبال الاطلس وخصوصا جبل طوبقال وجامعة القرويين وطرق الحفظ باللوح والقلم والنقش بالحناء والعمارية وغيرها وانتهى النقاش بالحديث عن أسد الأطلس ، والضب والحصان الأمازيغي الأصيل والثعلب الصحراوي وغيرها ، وتعمق الخلاف ليشمل التاريخ المعاصر ذا صلة بالصراع المغربي الجزائري من عهد الثورة ومرورا بحرب الرمال ووصولا الى حروب الصحراء مثل امكالة والمحبس وغيرها فتم تزويره بشكل يتنافى مع مبدأ الصدق في التأريخ .
إن ما بلغناه من درجات الصراع والخلاف شيء مؤسف ومؤلم لكن الشق الإيجابي فيه هو إعادة كل موروث ثقافي للواجهة وإعادة دراسته وبيان قيمته وتأكيد نسبته وأصوله المغربية بكثير من الحماس والعصبية الإيجابية ، بل لقد انخرط في هذا النقاش والسجال مؤثرون أجانب في مواقعهم التواصلية الخاصة ، فساهموا إلى حد كبير في التعريف بهذه الموروثات التاريخية والثقافية موضوع الخلاف والذفاع عن مغربيتها ، كما قامت الحكومة الحالية بإجراءات هادفة في نفس المجال ، ويكفينا تقديرا ما قامت به من تحركات عالمية للتعريف بالزليج المغربي ، وهي خطوة محمودة رغم تأخرها كثيرا . وهو ما تغافل عنه السابقون الذين اعتبروا أن الموروث الثقافي المغربي سليم وفي منأى عن كل تطاول أو سرقة . لابد من توجيه عتاب للمغاربة الذين استكانوا للخمول فتغافلوا عن التراث وأهملوه حتى وقعنا في المشكل ، وهذا سوء تخطيط وضعف في تصور المستقبليات من طرف وزارات معنية ذات صلة بهذه المجالات كوزات التربية والصناعة التقليدية والرياضة والثقافة علاوة على الجمعيات والهيئات ذات الصلة والتوجه ، لقد كان من المفترض على كل هؤلاء وغيرهم في السابق أن يسجلوا كل ما هو مغربي اصيل ضمن التراث العالمي ، وان ينشروا التراث الفني في المحافل الدولية ، وأن يضاعفو الإشهار به ضمن توجهاتهم السياحية.
وللأمانة فإن جهود المعنيين بالموضوع اليوم جد مشكورة ، ولكن مع الأسف جاءت متأخرة جدا بعدما تم التطاول علي الموروث المغربي ، فتحول المعنيون بالموضوع إلى مدافعين عن مغربية موروث معين سرق ، وليس لنشره والتعريف به . ولكن إلى متى سنظل مدافعين ؟ أوليس الأجدر بنا أن نبحث في كل ما هو اصيل ونستبق إثبات مغربيته وبيان أصالته وقيمته وخصوصياته قبل أن يسرقه الغير.؟
إن ما يقوم به بعض الجزائريين من نسبة كل ما هو مغربي لهم ، لا ينبع من قناعاتهم بذلك ، ولكنه مجال جديد للصراع دخلوه نكاية في المغرب رغم علمهم اليقين بنسبته المؤكدة للمغرب ، وكان الأجدر بهم أن يخوضو في نشر تراثهم الغني ، ودراسته والتعريف به وهو تراث رائع يستحق كل إجلال وتقدير بدل التهجم على تراث أشقائهم وتحويله إلى حلبة صراع دنيئة.ولكن هذا الخلاف لا يحجب عنا حقيقة ساطعة وهي أن غالبية الأشقاء الجزائريين يستنكرون هذه الترهات ، ويعترفون بجزائرية هذا ومغربية ذاك بكثير من الصدق ، ولكن فئة باغية تسعى للشقاق تخوض في الماء العكر لتدمي جرحا غار وتعفن ، فاللهم اهدهم.
إن دول شمال إفريقيا يجمعها تاريخ مشترك وتقاليد مشتركة اكتسبت خصوصياتها عبر الزمن فتفردت أو تشابهت بحسب الظروف ولكن تبقى مشتركة في الغالب ، وكل محاولة للتفرقة بينها تبقى فاشلة ، فغدا إدا صفت العلاقات بين المغاربيين ( ونأمل ذلك) فأنا متأكد أن كل بلد سيقر بثقافة وتراث جاره ويمجدة ولكنه عناد وحرب نفسية غير مأمونة العواقب . وأملي أن يسعى كل المغاربة كل في مجاله إلى إحياء تراثه والفخر بهويته والعمل على نشر الثقافة المغربية بخصوصياتها الأمازيغية والعربية وامتداداتها الحضارية ، في مختلف المنابر ، والدفاع عنها ، والإفتخار بها لأن من لاهوية له فلا وجود له . وعلى كل حال إن هذا الخلاف حول التراث المغربي كان نعمة عليه إذ أعاده للواجهة فانتعش بعدما طاله النسيان زمنا ، وهنا يصدق قول الشاعر :
إذا أراد الله نشر فضيلة … أثار لها لسان حقود















