كتاب رأي

يا آسفي على مدينة آسفي (2)

قرنوف محفوظ

سبق أن نشرتُ سنة 2021 مقالًا بعنوان «يا آسفي على مدينة آسفي» بعدد من المنابر الوطنية، كان هدفه لفت الانتباه إلى القيمة التاريخية والحضارية لمدينة آسفي، وإعادة طرح السؤال حول مكانتها التي تستحقها ضمن خريطة المدن المغربية. ويأتي هذا المقال اليوم في السياق نفسه، انطلاقًا من قناعة بأن الحديث عن المدينة ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة تفرضها التحولات التي تعرفها، والأحداث التي كشفت عن واقعها البنيوي والتنموي.

تُعد مدينة آسفي من أقدم الحواضر المغربية وأكثرها غنى من حيث الرصيد الحضاري، إذ تعاقبت عليها حضارات متعددة من الأمازيغ والعرب إلى البرتغاليين، واحتلت موقعًا مهمًا في التاريخ المغربي. وقد وصفها الرحالة ابن بطوطة بمدينة السمك والخزف، كما كانت خلال العهدين الموحدي والمريني مركزًا تجاريًا وعسكريًا وميناءً استراتيجيًا يستقبل السفن القادمة من الأندلس. وإلى جانب ذلك، اشتهرت آسفي بكونها عاصمة الفخار المغربي، وبغنى موروثها الموسيقي، خاصة فن العيطة والموسيقى الأندلسية، فضلًا عن معالم تاريخية بارزة، من بينها قصر البحر البرتغالي، الذي يشكل تحفة معمارية شاهدة على مرحلة تاريخية دقيقة من تاريخ المدن الساحلية المغربية.

غير أن هذا الرصيد الحضاري لا يحجب واقعًا تنمويًا يطرح أكثر من علامة استفهام، إذ أبانت السنوات الأخيرة عن اختلالات واضحة في البنية التحتية للمدينة، وهو ما ظهر بشكل جلي خلال الفيضانات التي أعقبت التساقطات المطرية الأخيرة. فقد كشفت هذه الأحداث عن هشاشة شبكات تصريف مياه الأمطار في عدد من الأحياء، وعن محدودية قدرة بعض التجهيزات الحضرية على مواكبة التحولات المناخية والتوسع العمراني، ما جعل الأمطار، التي يفترض أن تكون مصدر خير، تتحول في بعض الحالات إلى عامل تهديد للسلامة والممتلكات.

وتعكس هذه الوقائع، دون توجيه اتهام مباشر لأي جهة، أن مدينة آسفي عرفت خلال فترات متعاقبة ضعفًا في وتيرة التأهيل الشامل، سواء على مستوى الطرق، أو شبكات التطهير السائل، أو حماية المناطق المنخفضة والمعرضة للمخاطر الطبيعية. كما يطرح وضع بعض المعالم التاريخية، وعلى رأسها قصر البحر، إشكالية التوفيق بين حماية التراث وتأهيل المجال الحضري، في ظل عوامل طبيعية متزايدة التأثير، من قبيل التعرية البحرية والتقلبات المناخية.

إن ما عرفته المدينة مؤخرًا يشكل مؤشرًا موضوعيًا على الحاجة الملحة إلى اعتماد مقاربة تنموية متكاملة، تقوم على التخطيط الاستباقي، والتتبع الميداني المستمر، وتحديث البنيات التحتية بما يضمن سلامة الساكنة وصون الذاكرة التاريخية للمدينة. فآسفي، بما قدمته للمغرب من أدوار اقتصادية وثقافية، سواء عبر ثرواتها البحرية أو مساهمتها في الاقتصاد الوطني، تستحق رؤية تنموية عادلة ومستدامة تعيد لها مكانتها، وتمنح ساكنتها شروط العيش الكريم، بعيدًا عن منطق التدخل الظرفي الذي لا يظهر إلا في لحظات الأزمات.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى