كتاب رأي

ذكرى ثورة الملك والشعب و رهانات السؤال حول الوطنية الجديدة.

ذ: سعيد توبير
 

في كل عام، يحتفل المغاربة بذكرى ثورة الملك والشعب، تلك اللحظة التاريخية الإستثنائية،_ التي هزت أركان الإستعمار _ بسبب قوة الترابط التاريخي، الذي جمع ما بين سلطة مركزية تاريخية و شراسة شعب مغربي متعدد الراوفد الإجتماعية ، متنوع المناطق الجغرافية. تحكمه مركزية موحدة تتشكل من خلال زعماء الزوايا، القبائل ، العلماء و التجار و ممثلي السلطان. ما ميز التاريخ السياسي المغربي هو خاصية الإجماع على مواجهة المعتدي، الغازي و المستعمر . إنه الإجماع الذي ساهم في عدم التنازل عن السيادة المغربية في محطات تاريخية فاصلة : ضد الإيبريين ” المرابطين و الموحدين ” و العثمانيين ” السعديين “و اوربيي الحداثة الرأسمالية.
وللإشارة فقد شكل الإسثتناء المغربي من الحكم العثماني نموذجا من حيث ” استقلالية السيادة “. ولذلك استرعى هذا الإسثناء التاريخي إنتباه الباحثين و المستشرقين . بحيث لاحظوا أن كل دول العالم العربي بما فيها المغرب العربي و الشرق و بعض دول اوربا الشرقية أنها لم تفلت من هيمنة الامبراطورية العثمانية باستثناء المغرب.
ولذلك تشكل ذكرى ” ثورة الملك و الشعب ” حدثا روحيا و تاريخيا و قد استوعبته الذاكرة الجماعية، وهي تواجه واحدة من أكبر و أعتى القوى الإستعمارية التي عرفها العالم الحديث.
لقد كان” الحدث” فصل السلطان عن الشعب و البحث عن شرعية غاشمة تمثل السيادة الوطنية تمرينا تاريخيا، اجتماعيا و سياسيا، جددت من خلاله كل المكونات و المؤسسات دماءها و نشاطها الوحدوي .
كما أعادت هذه الأخيرة للمغرب شروط إمكان تاريخية و روحية لتدشين خارطة محطة المغرب المستقل .
و في سياقات الإحتفاء بذكرى الحدث التاريخي ” ثورة الملك و الشعب” نحتاج اليوم في ضوء وضعيتنا التاريخية الراهنة، إلى مراجعة أكاديمية تاريخية هادئة لمفهوم الإستعمار الغربي عموما و الفرنكو إسباني خصوصا، من أجل الفهم الجيد لأسباب الإستعمار و كيفيات التخلص النهائي منه من خلال دراسات شاقة و طويلة حول آليات سياساته الثقافية، اللغوية، الإجتماعية و التمكن من هضم أداوته في الهيمنة الإقتصادية و السياسية.
ماذا نعني بالوطنية الجديدة ؟ هل هي استجابة لتحديات ما ؟ ما السبب في اعتبارها ضرورة تاريخية ؟ هل تستطيع أن تنفلت هذه الأخيرة من أسئلة الإستعمار الحارقة ؟
الواقع هو أن ” الوطنية الجديدة” ليست من الناحية الآكاديمية و الثقافية إلا امتدادا للتراث الوطني ، الذي راكمه رواد من مثقفي و سياسيي الحركة الوطنية الأوائل. كما أنها متأثرة بشكل كبير بمشروع المؤرخ و المثقف المغربي د ” عبد الله العروي من خلال مراجع و دراسات و أبحاث مثل ” الوطنية المغربية ” ” مجمل تاريخ المغرب” و ” الجذور الإجتماعية و الثقافية للحركة الوطنية ” .
إنها بصفة عامة “الإيديلوجية الطبيعية للدولة الأمة المغربية” . فهل فعلا ينفي واقع النخب السياسية، دوائر البحث الجامعي و تداعيات الثورة الرقمية على أننا لسنا في حاجة الى”وطنية جديدة “. أقل ما يقال عنها انها تريد إعادة صياغة صورة جماعية اتجاه أنفسنا و مكانتنا في العالم ؟
وعليه فان الاطروحة الرئيسة التي تحكم أسباب و دواعي التفكير في هذا الموضوع كضرورة تاريخية مستعجلة :
1_ تداعيات أزمة ” الكوفيد ” ، التي علمتنا درس عدم تصديق “القرية الصغيرة”، غياب الحواجز و سردية الأسواق المفتوحة عولميا. وتم التركيز على المقدرات الذاتية و الإمكانيات الخاصة في تحمل أو تجاوز وباء خطير و غير مسبوق. و هو الأمر الذي نتج عنه من شعور بالحاجة الى تطوير الخدمات العمومية صحة و تعليما و اقتصادا. فإذن لابد من إعادة التفكير في الدولة الوطنية الديمقراطية ، التي تعتمد على نفسها في مواجهة الأزمات و الإجتجاجات كظواهر مصاحبة لمنطق العالم النيوليبرالي.
2_استشعار هجومات أو انواع الإختراق الثقافي و اللغوي و التحريض على نفث سم العرقية أو التعصب بشكل عام. و هو ما يستدعي التمدرس وراء وطنية جديدة لا تهمها إلا المصلحة العليا للوطن حاضرا و مستقبلا. كما أن الوطنية الجديد المشروع لا تدرس فقط الوقائع و إنما ترغب في تكوين نظرية سياسية تاريخية تجد في كل المشكلات الوطنية و التحديات الخارجية و الإستجابات النوعية فيها ملجأها الأخير : (المبادرة للملكية للمغرب الأطلسي).
3_ السياق التاريخي الذي يستدعي اليقظة السياسية أو الفطنة الثقافية. ذلك أن بلدنا لازال مثخن بجروح الماضي الإستعماري “قضية الصحراء المغربية الغربية و الشرقية” . و في حاجة مستمرة الى التواصل الإجتماعي الديمقراطي و التعبئة الوطنية الشاملة لمواكبة إنجازات الدولة على المستوى الديبلوماسي. وهذا الأمر يقتضي تنزيل و تفعيل أنشطة الأحزاب السياسية، المجتمع المدني و الديبلوماسية الموازية .
3_ ما يؤكد ضرورة بناء وطنية جديدة هو كونها استجابة لثابت مغربي وهو : احتدام الصراع الأوربي حول المغرب. بحيث يمكن ملاحظة استهداف المغرب مبكرا من طرف الغزو الروماني بحكم الموقع و الموارد الطبيعية. مما سيجعل هذه الأخيرة قراءة في أنواع ثقافة المقاومة و الكفاح من أجل النهوض الشامل والسيادة الكاملة للمغاربة على ترابهم التاريخي. كما أنها مصرة على البحث والنبش في تاريخ مقاومة المغاربة للخطر الاجنبي، الذي ارتبط من بعد الروماني بالمد الايبري خلال القرن الخامس عشر و ما قبل وما بعد الاحتلال المزدوج ” الفرنسي – الاسباني”. في القرن العشرين .
4_ وبالتالي تجد ” الوطنية الجديدة” حريصة على التعبئة الجماعية الممنهجة اعتمادا على وثائق ونصوص تاريخية. لشحذ همم الرأي العام لصالح قضايا الوحدة الترابية، والتفاني في حماية حدود البلاد، واعلاء شأن السيادة الوطنية والثقافة المشتركة والافتخار بماضي الحضور المغربي العربي الاسلامي في العصر الوسيط في اسبانيا عمرانيا، علميا، فنيا، ادبيا وفلسفيا .
و بحكم التأثر الشديد بحرقة العروي على كتابة موضوعية لتاريخ المغرب، تخلصه من مؤلفات الأجانب المنحازة تلقائيا للمركزية الأوربية المتغطرسة . فإننا سنعمل على ملاحقة أعماله و استدراكاته الثقافية الأخيرة، بعد تراجع الطموحات القومية العربية الكبرى آخذين بعين الإعتبار كما يقول العروي في أحد حوارات القناة الوطنية الأولى: ” أنه علينا نحن “المغاربة” أن نتصرف كسكان جزيرة، جزيرة “مطوقة”. بدليل ان رسم خريطة المغرب 1956حسب موقف الزعيم “علال الفاسي” فور عودته من المنفى لا يضم سوى خمس “تراب المغرب التاريخي” مع اقتطاع غير مسبوق في تاريخ المغرب القريب لكل من تندوف/ توات/ تيديكلت/ الساقية الحمراء/ شنقيط وطبعا سبتة ومليلية والجزر الجعفرية.
5 _ وعليه فإن روح ” الوطنية الجديدة” تلتصق جذريا بالمتابعة الدقيقة لتفاعلات ملف ” الصحراء المغربية” اقليميا ودوليا ووطنيا، والذي خفث حضوره في تحليلات واهتمامات أغلب المثقفين والفاعلين السياسيين في السنوات الاخيرة. تقتضي فلسفة “الوطنية الجديدة” باعتبارها وعيا تاريخيا إيلاء كبير الأهمية للحرية والمساواة والاستقرار والتعاون. و اجتراح بدائل إيجابية اتجاه أنواع التصعيد ولغة العداء المجاني في الفضاء العمومي التواصلي. وهو أمر لن يتحقق بدون مراجعة لمشكل التربية و التعليم بهدف تحديثهم و حرق المسافات النظرية علميا و فلسفيا للحاق بالتاريخ الحديث. معناه أنها في العمق تعبير عن إراد معرفية و حضارية لا بد من طرق أبواب المتخصصين في المجال.
نخلص إلى أن الوطنية الجديدة هي محاولة بناء او إعادة بناء بأدوات المعرفيات المعاصرة لصورة أو ايديلوجية مغرب قوي بملكيته الدستورية و ووطنية شعبه و جدية شبابه من المفكرين و المثقفين المفترضين . وكم كانت عبارات جلالة الملك محمد السادس حفظه حاسمة و حازمة عندما قال في اخر الخطب الملكية الأخيرة . ( أن المغرب هو ملك للجميع ، وهو بيتنا المشترك ، وعلينا كل من موقعه، أن نساهم في بنائه و تنميته، و أن نحافظ على وحدته و أمنه استقراره ). فهل هناك من مرجع أقوى من هذا الذي يمثل أمامنا لبلورة فكر وطني واعي بالذات الخاصة، بالعالم الإمبراطوري و صراع القوى الدولي لشحذ الهمم و الارتقاء بالدولة و المجتمع اقتصاديا، ثقافيا و تربويا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى