اش واقع فمدينتي

مهرجان مكناس للدراما التلفزية: بين هيمنة الخطاب الرسمي وغياب النقد الفني

توفيق اجانا

يشكّل مهرجان مكناس للدراما التلفزية، من حيث المبدأ، فضاءً يفترض أن يضطلع بوظيفة مزدوجة: الاحتفاء بالإنتاج الدرامي من جهة، ومساءلته نقدياً من جهة ثانية. غير أن قراءةً، استناداً إلى عيّنة من التغطيات الإعلامية المنشورة، في طبيعة التغطيات الإعلامية المصاحبة، وفي بنية الخطاب المواكب للمهرجان، تكشف عن اختلال واضح في هذا التوازن، لصالح هيمنة خطاب رسمي احتفالي، مقابل غياب شبه بنيوي للنقد الفني.

تُظهر أغلب المواد المنشورة نمطاً متكرراً من المعالجة، يقوم على إعادة إنتاج نفس القوالب الخبرية: افتتاحيات بروتوكولية، أرقام المشاركين، إشادات بالتنظيم، وتتويجات ختامية. هذا النمط لا يعكس فقط اختيارات تحريرية ظرفية، بل يؤشر على ما يمكن تسميته بـ“تطبيع الخطاب الاحتفالي”، حيث يتحول الحدث الثقافي إلى مناسبة لإعادة تدوير خطاب جاهز، يكرّس الإجماع بدل تفكيكه.

في المقابل، يلاحظ غياب واضح لما يُفترض أن يكون جوهر أي تظاهرة فنية: النقد المتخصص. فلا تكاد التغطيات تتضمن تحليلات جادة لبنية الأعمال الدرامية، أو مقاربات تقويمية لجودة الكتابة والإخراج، أو مساءلة جمالية لمضامين الإنتاج التلفزي. وهو ما يطرح إشكالاً عميقاً يتعلق بـوظيفة الوساطة الثقافية التي يفترض أن تضطلع بها الصحافة الفنية، والتي تبدو هنا معطلة أو مؤجلة.

الأكثر إشكالية أن هذا الغياب لا يمكن فصله عن طبيعة البرمجة نفسها، التي تبدو، في كثير من جوانبها، أقرب إلى إعادة إنتاج نفس الأنماط التنظيمية: عروض، تكريمات، وندوات يغلب عليها الطابع التوافقي. وفي ظل غياب فضاءات حقيقية للنقاش النقدي—كالمختبرات الدرامية، أو جلسات القراءة التحليلية—يفقد المهرجان إحدى أهم وظائفه: المساهمة في تطوير الحقل الدرامي.

من هذا المنظور، يمكن القول إن المهرجان، في صيغته الحالية، لا يؤسس لقطيعة مع السائد، بل يعيد إنتاجه ضمن إطار مؤسساتي منظم. وهو ما يطرح سؤالاً مركزياً: هل نحن أمام تظاهرة تُراكم على مستوى التفكير في الدراما التلفزية، أم أمام آلية لإعادة تثبيت تمثلات جاهزة حولها؟

إن استمرار هذا النموذج يفرغ الحدث من إمكاناته التحويلية، ويحوّله إلى بنية احتفالية مغلقة، تشتغل بمنطق الاعتراف المتبادل أكثر من اشتغالها بمنطق التقييم والنقد. وفي غياب توتر فكري أو جمالي، يفقد الفعل الثقافي أحد شروطه الأساسية: القدرة على الإزعاج المنتج، ومن هنا يكمن الرهان الحقيقي في إعادة تعريف وظيفة المهرجان ذاته: هل سيظل فضاء للعرض والتكريم فقط، أم منصة لإنتاج خطاب نقدي قادر على مساءلة الدراما التلفزية وإعادة توجيهها؟ الإجابة على هذا السؤال هي ما سيحدد ما إذا كان مهرجان مكناس للدراما التلفزية فاعلاً في التحول… أم مجرد شاهد على استمرارية نفس النموذج.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى