
الكوتش الدولي الدكتور محمد طاوسي
في الحياة أسس و قواعد ، و بها نظام و قوانين إذا تم حسن التعامل بها كانت السعادة و عم السلام و الأمان ، و إذا ما اختلت عمت الفوضى و ساد الإضطراب و الخذلان ، هذه القواعد و القوانين و الأسس جعلها المولى شاهدة على الخلائق كي تفتل في حبل الصلاح و الفلاح ، و ترتقي بها في مدارج النجاح ، و من اسس هذه القواعد تكليف الإنسان بمهنة الاستخلاف و العمران الأخوي الصالح ، فحينما يجتمع حُسن العمل و حسن السعي مع طهارة القلوب تزيد رفعة الإنسان عند ربه ، و يزداد رُقيا في سلوكه و تطورا في أسلوب حياته ، فتتعطر مبادؤه بالسمو و تتزين أخلاقه بالسمت الحسن ، و يزيد قربا و تقربا فلا يجف عطرهُ و لا ينسى ذكره .
في الحياة صياص و إشارات واضحة على مسار المنظومة الكونية التي خلقها الله تعالى ، فجملها من جماله و أبدع تركيبها ، فأنطقْ الجلال جمالاً ، و جمّل الكون جلالا ،
و أخرص المارقين من إبداعه فالتزموا السكوت ، و هيأ كل السبل كي يكملُ هذا الإنسان طريقه نحو تحقيق الغاية المنشودة و المهمة المحمودة ، ليس لأنه مجبرٌ على أن يؤديها ، فقد خول له الاختيار ، و لا أن يبقى عالقاً فيها فهو بعد طول المسير سوف يصل إلى الملاذ الأخير و سيتجاوزُ كل الصعوبات ، و ليس لأنه هو من يريدُ ذلك طمعا
او استعلاء ، و إنما لأنّه مُكفول بكرامة المولى و جدير بالقوامة و التقويم ، و لأنه يبقى واقفاً على باب الإنابة و التذلل ، و تبقى روحه جاثية على ركبتيها تناجي الله حتى تتخلى عن الذنوب ، فتتحلى بسلوك العابد الزاهد للرب المعبود ، ثم تتجلى نفحات المولى عليه سلما و سلاما .
في الحياة لا يملكُ الإنسان الرفاهية والراحة النفسية إلا بالإنحناء طوعا و الجثو حبا و كرامة كي يرضى المولى فإن رضي هو رضي عبده ، و إن رضي العبد زاد القرب فكان المقام حضرة الإقبال على رب الرضى ، فكان الرِّضى صهوة العُبور نحو البرزخ ثم العلو إلى مقام الحضور ، و يكون ذلك الرضى مركب النجاة الذي تطمئن له القلوب و تهدأُ به النفوس ، و تزدان به الأرواح حتى و إن كانت تحملَ على أكتافها بركاناً من الاعباء !
في الحياة تعترض الإنسان التأخرات في تحقيق الاحلام
و العطلة في بعض اللحظات ، و تتأجل بعض الأهداف المنشودة ، فيضطرب القلب و تتوجس النفس و هو لا يدري أنما يدور في هذا الفلك هو في خدمة الإنسانية ، و فيه خير من رب الخير ، فالله تعالى ما صرف عن الانسان شيئاً ليحرمه ، ولا أخّر عنه أمراً لكي يعذبه ، وإنما منع عنه ليعطيه ، و أخر عنه ليكافأه ، فهو يعطي الأفضل مما تختار النفوس و تريد ، و يرفع بالمنع درجات عنده أكثر مما يرفع بالعطاء ، و ما يدرك ذلك إلا المؤمن ببصيرته ، فيستفيق قلبه و تستنير روحه و تزهر نفسه ، و متى تستفيق القلوب ، و تصحو النفوس ، و تنير الالباب إلا أشرقت شمس اليقين من معين الصدق ، و سطع شعاع النور المشرق في الروح من عين القبول ، و تجملت الحياة بحلل الجود و صبيب الوجد المولوي ، و تجلت مظاهر الألمعية على محيى الوجود الصادق .
في الحياة تظهر نزوات النفس البشرية المضطربة غير المتوازنة ، و تتمظهر دونيتها الطينية في تجاذب كيميائي دنيئ ، فتقهر أحدا كي تسعد هي ، و تظلم أشخاصا لتبرز استعلاءها و تغطي اخطائها ، لكنها تنسى ان الكون خاضع للمنظومة المولوية التي لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يخرقها ، و إنما يجد نفسه هو من تم خرق بناء سعادته عندما سعى إلى الم الناس ، و لأن الجزاء من جنس العمل ، و أن كل إناء بما فيه ينضح ، و ما ينضح إليه إلا ما ضخ فيه ، و لأن كل إنسان تنكشف حقيقة معدنه و توازن سلوكه من خلال تطابق الأقوال بالأفعال ، فالله تعالى يعطي على الإحسان إحسانا و على الخذلان عقابا و نكرانا .
في الحياة تتجلى عظمة الوجود الإنساني في تتبع الطاعات و استدراك الطيبات ، فهي تجر بعضها بعضا ، و تلزم بعضها بعضا ، ففي الطاعات لذة و مذاق ، فإذا ذاق الإنسان لذتها نشط و اشتاق ، و إذا اشتاق طاق ،و إذا طاق اقترب و ابتغى طاعات أخرى ، فارتوى بها القلب و سقي الفؤاد ، و كلما ارتوى القلب أزهرت النفس و رغبت في طاعات أخرى .
في الحياة كل إنسان يحاول أن يعثر على الوضع النفسي المناسب له ، و ان يصوغ الفكرة التي يبني عليها أسلوب حياته ، لكن هناك اناس لا يحاولون أن يكونوا هم محور التغيير المناسب لهم ، و لا أن يتغيروا هم كي يتناسبوا مع قواعد الحياة و قوانينها المولوية ، فيتوقفون عن صناعة الحياة ، بل ينتظرون من يصنع بهم حياته ، فيفقدون احترامهم بعدم احترام أنفسهم و بسوء معاملة الآخرين لهم ، فالاولى أن يكون الإنسان هو الكفيل بالتغيير المأمول منه فيه ، و أن يستلهم الاعتزاز والفخر من احترامه لذاته ، فينضبط للمنظومة المولوية كي يعثر فعلا على الوضع النفسي و الروحي و القلبي الذي ينشده .















