
توفيق اجانا
الصورة بعدسة الزميل رشيد العاميلي
في خطوة علمية وصفت بالجريئة، احتضنت كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، يوم السبت 27 يونيو الجاري ، مناقشة بحث لنيل شهادة الماستر الجامعي المتخصص في الموروث الثقافي والأركيولوجي والسياحة الإيكولوجية، تقدم به الباحث عبد العالي بوزيان، والذي توج بحصوله على ميزة “مشرف جدا” مع تنويه اللجنة.
ولم تكن قيمة هذا العمل الأكاديمي في النتيجة التي حققها فحسب، بل في اختياره لموضوع ظل لسنوات من بين القضايا الأقل تناولا في الأوساط الجامعية، رغم ما يكتسيه من أهمية بالغة في حماية التراث الوطني، إذ حمل البحث عنوان: “التراث الثقافي المنقول بين ظاهرة التنقيب السري بجهاز كاشف المعادن والاتجار غير المشروع في الممتلكات الثقافية: دراسة قانونية واجتماعية”.
ويعد هذا البحث من أوائل الدراسات الجامعية التي تفتح نقاشا علميا معمقا حول ظاهرة التنقيب السري باستعمال أجهزة كشف المعادن، وما يرتبط بها من استنزاف للتراث الحضاري المغربي والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، من خلال مقاربة جمعت بين القانون والعلوم الاجتماعية والتاريخ.
وأوضح الباحث أن الدوافع الموضوعية لاختيار هذا الموضوع ترتبط بتنامي الظواهر الخطيرة التي تهدد الموروث الثقافي، في وقت أصبحت فيه الحماية القانونية، رغم أهميتها، غير كافية لوحدها لمواجهة شبكات النهب والاتجار، وهو ما استدعى توظيف دراسة اجتماعية إلى جانب التحليل القانوني، قصد الوصول إلى حلول عملية قابلة للتفعيل.
ولم يخل إنجاز هذا البحث من تحديات علمية، أبرزها العائق اللغوي، حيث تطلبت الدراسة ترجمة والرجوع إلى عدد من المراجع الأجنبية باللغتين الفرنسية والإنجليزية، إلى جانب اعتماد المنهج التاريخي لرصد تطور التشريع المتعلق بحماية التراث، خاصة منذ فترة الحماية إلى غاية المنظومة القانونية الحالية، مع تقييم مدى نجاعتها في التصدي للجرائم الماسة بالممتلكات الثقافية.
كما تناول البحث قضايا دقيقة، من بينها وضعية التحف الأثرية التي يتم العثور عليها في مواقع غير مصنفة، والعلاقة التي يفرضها هذا النوع من الملفات مع مختلف السلطات والمؤسسات المعنية بحماية التراث، فضلا عن الإشكالات القانونية التي ما تزال تطرحها هذه الوقائع على مستوى التطبيق.
وأنجز هذا العمل تحت إشراف الدكتور رشيد أغربي والدكتور عبد العاطي لحلو، فيما ضمت لجنة المناقشة الدكتور سعيد البوزيدي رئيسا، والدكتورة ربيعة حجيلة والدكتور شكيب حميش مقررين.
وعرفت المناقشة إشادة واسعة بالمستوى العلمي الذي بلغه البحث، حيث اعتبر أن العمل المقدم يتجاوز في مضمونه ومنهجيته حدود بحث الماستر، ويرقى في جوانب عديدة إلى مستوى أطروحة دكتوراه، بالنظر إلى حجم المادة العلمية، وعمق التحليل، والجهد المبذول في جمع المصادر والمراجع.
ومن جهته، دعا رئيس اللجنة الباحث إلى عدم الاكتفاء بالحصول على الشهادة، والعمل على إخراج هذا البحث إلى حيز الوجود، حتى يتحول إلى مرجع يستفيد منه الباحثون والمهتمون بمجال حماية التراث الثقافي، مؤكدا أن الهفوات العلمية القابلة للتصحيح لا ينبغي أن تكون عائقا أمام نشر عمل أكاديمي بهذا الحجم، بل إن الاستمرارية في البحث العلمي والترافع من أجل قضايا التراث هي الرهان الحقيقي.
وأكد رئيس اللجنة أن الباحث لم يعد مجرد صاحب صفحة تهتم بالتراث، بل أصبح خريجا متخصصا في هذا المجال، وهو ما يضع على عاتقه مسؤولية مواصلة البحث والترافع العلمي من أجل حماية الذاكرة الحضارية للمغرب، خصوصا في ظل استمرار عمليات التنقيب غير المشروع واستنزاف المواقع الأثرية.
ويفتح هذا الإنجاز الباب أمام نقاش أكاديمي أوسع حول ضرورة تطوير التشريعات، وتعزيز آليات الحماية، وربط البحث العلمي بصناعة القرار العمومي، بما يسهم في صيانة التراث الثقافي المغربي باعتباره رصيدا حضاريا وإنسانيا لا يقدر بثمن.















