ثقافة وفن

مكناس.. متحف دار الجامعي بين الامس والحاضر

من اعداد: توفيق اجانا

شيد قصر “دار الجامعي” عام1299ه‍/1822م ، كما تؤرخ ذلك النقيشة الجبصية الموجودة في قبة الاستقبال. ويعود الفضل في تشييد هذا القصر إلى الوزير الصدر محمد بن العربي الجامعي الذي عاصر السلطان المولى الحسن الاول.(1873 – 1894)

واستغرقت مرحلة البناء مدة عامين كاملين إلا أن الوزير وبسبب مرض عضال ألم به اضطر إلى الاستقرار بمدينة فاس للعلاج، حيث أمر ببناء قصر آخر حمل نفس الإسم “دار الجامعي”. وهكذا، وحسب المصادر التاريخية فإن دار الجامعي بمكناس لم يتم استغلالها من طرف مالكها الأصلي. في حين سكنها لفترة الحاج المعطي الجامعي الذي تولى الصدارة بعد أخيه محمد بن العربي الجامعي.

بعد وفاة المولى الحسن الأول وتولي ابنه المولى عبد العزيز الحكم، ظهر في الساحة السياسية الحاجب أحمد بن موسى المعروف ب باحماد. فاستبد الحاجب بأمور السلطة، وتمكن من تدبير مؤامرات ودسائس مكنته من تنحية آل الجامعي المنافسين له، والمعروفين بكونهم أهل جاه وعلم وعراقة، بالإضافة إلى الحضوة التي كانوا يتمتعون بها باعتبارهم أخوال السلطان المولى الحسن. وهكذا خلت الساحة السياسية للحاجب باحماد الذي استأثر بالحجابة و الصدارة، وكان مصير آل الجامعي عزل الأخوين الحاج المعطي الجامعي عن الصدارة، واخيه محمد الصغير عن الوزارة الحربية، وإيداعهما بسجن تطوان وعقب ذلك تمت مصادرة جميع أملاك آل الجامعي، بما فيها دار الجامعي المكناسية ، وبيعت تركتهم. فضم المدني الكلاوي الدار إلى ممتلكاته، لكنه لم يسكنها قط.

في سنة 1912، اشترى الفرنسيون الدار من مالكها الأخير، وتم استعمال جزء منها كمستشفى عسكري المعروف “بمستشفى لويس”. أما القسم الآخر، فقد ضم محكمة عسكرية لمدة قصيرة قبل أن يتحول إلى مصلحة للفنون الأهلية.

في سنة 1916 تحولت دار الجامعي إلى مقر للفنون الجميلة. كما احتضنت بعض المصالح الإدارية المختلفة.

في سنة 1920 وضعت البناية كلها رهن إشارة مفتشية الفنون الجميلة التي قامت بدورها بإنشاء النوات الأولى للمتحف. فأصبحت البناية تضم نواة متحفية و دار للصناعة التقليدية.

تم ترتيب دار الجامعي كمبنى تاريخي بظهير 19 -11- 1920 تحت اسم “متحف الفنون الأهلية”، كما تمت إقامة مدرسة لتعليم الطرز المحلي بمحاذاة المتحف.

بعد الإستقلال، ومنذ سنة 1958، انفصلت الصناعة التقليدية عن البناية فأصبحت تضم المتحف وحده

دار الجامعي معرضا بين الامس

يقدم متحف دار الجامعي معرضا دائما للفنون والحرف التقليدية بمكناس. يهدف بالأساس هذا التصور الجديد إلى إبراز غنى وتنوع المجموعات المتحفية التي تزخر بها هذه المؤسسة، اعتمادا على تحديد وظيفة كل قاعة، وبارتباط وثيق بالهوية السوسيو- ثقافية لساكنة المدينة.

يعرض الطابق السفلي للمتحف، والذي يتألف من فناء و قاعات ومطبخ، مختلف الحرف التقليدية التي تميز مدينة مكناس:

فن الخشب بنوعيه المنقوش والمصبوغ، خشب الهندسة المعمارية، وخشب الأثاث المنزلي،

بعض النماذج الغنية من طرز مكناس، وكذا من اللباس التقليدي وبعض الأحزمة الحريرية النفيسة، والحلي الحضرية،

ونماذج من خزف مكناس، وبعض الأواني النحاسية ، وكذا الحدادة التقليدية، وبعض التحف المصنوعة وفق التقنية الدمشقية.

كما يعرض هذا الطابق جناحا خاصا بفنون “الفروسية” التي اشتهرت بها مدينة مكناس ولسنوات عديدة.

ويعرض الطابق العلوي للمتحف نموذجا لقاعة استقبال بأثاث تقليدي على النسق المتبع خلال أواخر القرن التاسع عشر الميلادي و كذا مخطوطات يعود أقدمها إلى القرن السابع عشر.

يضم المتحف أيضا جناحا للأطفال للتعبير عما يخالج مكنوناتهم بأشكال متعددة ليصبح المتحف في صلب اهتمام الساكنة المحلية منذ الصغر.

وللإشارة تزخر دار الجامعي كذلك برياض على الطابع الأندلسي تتخلله ممرات من الزليج وبكشك خاص بالعازفين و المنشدين.

دار الجامعي معرضا بين الحاضر

ليس اختيار مدينة مكناس وليدا للصدفة ، بل أنها الحاضرة الكبرى ، التي كانت قديما عاصمة للمملكة المغربية المترامية الأطراف خلال القرنين 17 و 18 ، فهي تزخر بتراث موسيقي غني ومتنوع ، وهي أيضا أول مدينة مغربية احتضنت فرقا موسيقية مكونة من نخبة من الموسيقيين الكبار تألقوا في مجال الموسيقى وشعت أسماؤهم في الساحة الفنية الوطنية ، فالموسيقى تحضر في هذه المدينة منذ عدة قرون ، كمكون أساسي في تقاليد المدينة وعاداتها وفي المعيش اليومي لساكنتها لهذا تم اختيار متحف دار الجامعي متحفا وطنيا للموسيقى وخصص الطابق السفلي والعلوي لهذه الغاية.

الطابق السفلي

يعرض في الطبق السفلي مختلفة من الآلات الموسيقية في الواجهات الزجاجية الست المثبتة في حائط الممر ، على إيقاع موسيقة متناغمة مع الفضاء العام . يغادر الزائر ممر المدخل لمواصلة رحلته في فضاء المعرض ، ضمن مسار يعيد إلى الذاكرة أجواء وفضاءات القصور والدور التقليدية ، بأحواضها المائية ونافوراتها المرصعة بالزليج .

وخصصت القاعة الكبرى المطلة على « الرياض » للتعريف بورشات صناعة الآلات الموسيقية ، مع عرض لصور على شاشة ضخمة بالجدار الرئيسي . ويستقل المسار داخل البناية بقاعة مخصصة لفئة الآلات الإيقاعية .

تقدم موسيقى الحياينة ، التي تستخدم فيها الآلات الإيقاعية ، في واجهة زجاجية مثبتة في الجدار ، تضم زيا وعدة آلات موسيقية ( الناي التعريجة ، الدف … ) . تعرض الآلات الأساسية للموسيقى الحسانية في القاعة الصغرى الموصلة إلى الفناء الرئيسي ،و يعد الفناء أحد الفضاءات الثلاثة الأكثر تعبيرا عن خصوصية القصر ، وينفذ إليه الضوء عبر قبة زجاجية ، ويتميز بديكوره المتناسق الجميل .

يتواصل المعرض في القاعات المجاورة، عند الوصول إلى الفناء ، يصادف الزائر في جهة الشمال فضاء يتيح له فرصة التعرف على موسيقى ورقصات أحواش والاستمتاع بحركاتها وإيقاعاتها ، وذلك من خلال عروض على الشاشة ،ويضم الفضاء الرئيسي المقابل للفناء آلات النفخ الهوائية . وتعرض في واجهتين زجاجيتين آلات دقيقة صغيرة الحجم ، بينما تبرز للعيان منذ الفناء صورة ضخمة تتصدر هذا الفضاء .

ويمكن للزائر أن يكتشف هنا وهناك فضاءات صغيرة وزوايا مخفية لم يكن يتوقع وجودها , ومنها تجويف في حائط الممر يضم واجهة زجاجية تعرض فيها آلات موسيقية وزيا تقليديا يميز فناني العيطة الجبلية . كانت التجويفات الحالية سابقا جزءا من مطبخ القصر ، وقد استغلت لتقديم ثلاثة عروض مخصص كل واحد منها لإبداعات موسيقية للطرق الروحية حمادشة وكناوة وعيساوة .

يحتضن فضاء أنشأ مؤخرا مكان ساحة قديمة , إضافة إلى الأنشطة الثقافية ، عرضا انغماسيا مخصصا للموسيقى الروحية . خصصت مجموعة من القاعات المحيطة بساحة بسيطة في مظهرها ، للمعارض الظرفية . ويعرض يوميا في قاعة الوسط ، على هامش المعارض التي يحتضنها المتحف ، فيلم حول فن العيطة .

الطابق العلوي

يتم الصعود إلى الطابق العلوي عبر سلم يتفرع إلى اتجاهين ضمن مسار دائري ينتهي عند نقطة البداية . يضم الطابق العلوي قاعتين تسحران الناظر بجمالهما : قاعة كبيرة مزخرفة بالفسيفساء تتميز بسقفها الخشبي المنقوش ، وفي الجهة المقابلة الفناء بقبته الزجاجية . يحظى موضوع موسيقى الآلة أو العالمة ، بجناح خاص في فضاءات المعرض . ويتواصل الاهتمام بها في الطابق العلوي ، حيث تحتضن القاعات المجاورة

آلات الموسيقى الأندلسية والملحون والغرناطي والموسيقى اليهودية – المغربية ، وخصص الجناح الآخر للموسيقى الأمازيغية ، وهو مزود بأجهزة طرفية لمسية ومقاعد للاستماع . تتواصل زيارة المتحف في الحديقة ، حيث يمكن للجمهور ، وفقا لتوقيت معين ، أن يتذوق الروائع الموسيقية ويستمع إليها .

المصادر المعتمدة :

*نبذة تاريخية عن متحف دار الجامعي من موقع وزارة الثقافة .

*ملف صحفي للمؤسسة الوطنية للمتاحف

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى