
برعي محمد
منذ أن أُعلنت نتائج التقييم الدولي لتلاميذ المدارس (PISA)، والساحة التربوية المغربية تعيش على وقع لغط حاد واستهجان لم ينقطع.
لم تكن الصدمة في الأرقام بذاتها، بل في كونها مرآة كشفت عن الفجوة العميقة بين الخطاب الإداري والمشروع الميداني؛ مرآة أظهرت أن كل المساحيق الإصلاحية المتعاقبة لم تستطع تجميل واقع التعلمات داخل الفصل الدراسي.
ولأن الممارس ليس كالدارس، فقد خبر أدغال المنظومة لأكثر من ثلاثة عقود، شاهد كيف ولد “مشروع المؤسسة” في أواسط التسعينيات كفكرة تحررية تسعى لمنح المدرسة استقلالية الفكر والمبادرة، وكيف تحول عبر المخطط الاستعجالي ثم الرؤية الاستراتيجية، وصولا إلى “مشروع المؤسسة المدمج” (PEI) في ضوء خارطة الطريق الحالية، إلى آلية بيروقراطية مفرغة من روحها.
لقد انتقلت الوزارة من المنطق التلقائي التجميعي إلى الشمولية المنهجية، لكن هذا التحول ظل هندسيا فوقيا؛ استبدل المذكرات بدلائل توجيهية، والبطاقات التقنية بمنصات رقمية، دون أن يلامس قلب العملية التعليمية: الخلية الصفية.
أين يكمن الخلل؟ وهل النماذج المعتمدة غير كافية؟
الخلل لا يكمن في الأدبيات ولا في الهيكلة النظرية لنماذج مشروع المؤسسة؛ فالنماذج المعتمدة مصممة وفق أحدث أدبيات “التدبير بالنتائج” و”القيادة الدامجة”. المشكلة تكمن في “الاستهلاك البيروقراطي للمشاريع”.
تُعامل المؤسسات التعليمية نموذج مشروع المؤسسة باعتباره وثيقة إدارية لإرضاء اللجان والتفقد، لا كخارطة طريق نابعة من التشخيص الذاتي الحقيقي. يستنسخ المشروع استنساخا، ويكتب بلغة التمنيات، ثم يحفظ في أرفف الإدارة ليستدعى أثناء الزيارات، إننا أمام نموذج يصنع “الأوراق” ولا يصنع “التحول”، لأن البيئة التسييرية تحاسب المدير والأستاذ على مدى استكمال الجداول واستيفاء الشكليات، وليس على مدى نمو الفهم القرائي أو التفكير الرياضي لدى المتعلم.
صدمة PISA والحلقة المفقودة في النسق المدرسي:
لماذا نتقوقع في ذيل ترتيب PISA مرارا؟ لأن هذا التقييم لا يقيس مدى حفظ التلميذ للمقرر، بل يقيس قدرته على توظيف المعرفة في وضعيات حياتية غير مألوفة، والتفكير النقدي، وتحليل البيانات.
المدرسة المغربية تدرس للامتحان المحلي والإقليمي القائم على الاسترجاع والتطبيق المباشر، بينما يسائل PISA الكفايات العالية للتعلم، وهنا تتجلى الحلقة المفقودة في النسق المدرسي: إنها العلاقة البيداغوجية الحية داخل الفصل.
الحلقة المفقودة هي غياب تحول جذري في “طرق التدريس”؛ فلا يزال الإلقاء والسرد والتلقين تسيطر على الحصة الدراسية، بينما تتطلب التقييمات الدولية متعلما باحثا ومفكرا. ويستوجب ذلك تفعيل مشروع المؤسسة الذي نراه لدينا يمول لبناء الأسوار، وتزيين الفضاءات، وشراء التجهيزات، لكنه نادرا ما ينفذ إلى هندسة بناء المفهوم داخل الفصل.
عزلة الفاعلين: هل هم في واد آخر؟
أن نتهم الإدارة التربوية والأساتذة والمفتشين ورؤساء المشاريع بأنهم “يعيشون في واد آخر” ولا يعلمون ما يجري في العالم، هو تشخيص مبسط لأزمة أعقد.
الفاعلون التربويون ليسوا جاهلين بالتقييمات العالمية، بل هم مغتربون مهنيا داخل نظام يضغط عليهم بـ:
ثقل البرامج والتغطية الكمية: المفتش يطالب بالأجرأة الشاملة للمقرر، والأستاذ يركض لإتمام الدروس، والمدير يغرق في التسيير اليومي الهامشي.
غياب التكوين المستمر النوعي: التكوينات المتاحة أصبحت في غالبها سريعة ومسطحة، لا تكسب المدرس المهارات البيداغوجية الحديثة التي تشجع على حل المشكلات.
تفكك سلاسل القيادة التربوية: يعمل المفتش كشرطي جودة، والمدير كمنفذ إداري، والأستاذ كصانع معزول، هذا التفصل يجعل التقييمات الدولية تبدو وكأنها “ترف استعراضي” يأتي من العاصمة، لا يعني شيئا لأستاذ يصارع تعثرات بناء الحرف والعدد في فرعية نائية.
إلى أين يسير التعليم؟
إن التعليم المغربي يسير اليوم في طريق مسدود يغطى بالبلاغات والتسميات البرّاقة، ما لم نتوقف عن اختزال الإصلاح في “تغيير المسميات والمقاربات الشكلية”.
إذا استمر مشروع المؤسسة كمجرد حقيبة وثائق، واستمرت “مؤسسات الريادة” كجزر معزولة تمنح الدعم الاستثنائي دون تغيير بنيوي في الثقافة المدرسية الشاملة، فإننا سنظل نكرر نفس الذهول عند كل تقرير دولي قادم.
التعليم يسير نحو تفكك المرفق العمومي وتكريس الفوارق الطبقية إذا لم نعد الاعتبار للفاعل الأساسي: معلم يمتلك الحرية والقدرة البيداغوجية، ومؤسسة تمتلك سلطة القرار المالي والتربوي الحقيقي، ونظام تقييم وطني يقطع مع “التنقيط العددي” ويتبنى المعايير الدولية في قياس التعلمات يوميا، لا عند استحقاقات الـ PISA فقط.


