
برعي محمد
الامتحانات الإشهادية، وعلى رأسها امتحان الباكالوريا، ليست مجرد محطة لتقويم المعارف بل هي حدث تربوي ونفسي واجتماعي يختبر قدرة المتعلم على مواجهة الضغوط والتوتر، ويعكس صورة المنظومة التعليمية وطنياً ودولياً. فهي بالنسبة للأسر لحظة حاسمة تحدد مستقبل الأبناء، وبالنسبة للمنظومة التعليمية معيار للمصداقية والشفافية، وبالنسبة للتلميذ تجربة وجودية تتجاوز حدود المعرفة إلى اختبار الصمود النفسي والوجداني. وقد حاول المغرب، مثل باقي الدول، تطوير استراتيجيات محاربة الغش عبر إجراءات تقنية وبيداغوجيةطيلة السنوات الماضية واليوم ومن خلال تصفح المذكرة الوزارية رقم 031/26 المتعلقة بالامتحانات الاشهادية ومحاربة الغش ,الصادرة بتاريخ 31مارس 2026 ،والتي كان لهااثر كبير في نفوس كل المتدخلين والمهتمين ، تناولت السياق والاهداف الاستراتيجية لاصدار ها و المندرجة ضمن استراتيجية تنزيل خارطة الطريق للاصلاح التربوي2022/2026 التي تهدف الى الرفع من مستوى التعلمات وضمان جودة وموثوقية نتائج الامتحانات الاشهادية،مذكرة بالمرتكزات الاساسية لضمان جودةالامتحانات، مع ابراز الاستراتيجية لتصدي ظاهرة الغش ؛المتضمنة لاجراءات تربوية واخرى تواصلية وثالثة تنظيمية لجميع الاسلاك التعليمية ،ومن الامور التي تناولتها المذكرة ايضا آليات الرصد والمواكبة الحديثة حيث استحدثت المذكرة اجراءات صارمة لسير ضبط الامتحانات والتي يمكن تلخيصها في؛إلزامية تسليم الهواتف ،النظام الالكتروني للرصد ثم اللجان والخط الاخضر وهو مافتح نقاش كبيرا بين كل المهتمين حول نجاعة واهمية محتوياتها وخاصة على مستوى تنزيل مضامنها، وقد أظهرت التجربة الأولى نجاحا مقبولا في الحد من الظاهرة، لكنها كشفت عن تحديات عميقة مرتبطة بمدى جاهزية المتعلمين نفسيا للتكيف مع بعض اليات الرصد والمواكبة المستحدثة ،فهناك فئة من التلاميذ ذات مستوى معرفي مرتفع تؤمن بالنزاهة الأكاديمية لكنها تعاني من الهلع الامتحاني وضغوط نفسية إضافية تجعلها عرضة للفشل رغم كفاءتها، وهناك فئة أخرى ترى في الإجراءات الصارمة سببا في تعثرها لأنها لم تواكب ببرامج دعم نفسي واجتماعي طيلة السنة الدراسية من متخصص في المجال، ذلك ان علم النفس التربوي يؤكد أن الأداء الأكاديمي لا ينفصل عن الحالة النفسية للمتعلم، وأن الضغط النفسي غير المؤطر قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وهو ما يبرز الحاجة الملحة إلى إدماج الدعم النفسي والمرافقة الاجتماعية داخل المؤسسات التعليمية.
وهناك حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي ان غياب الأخصائي النفسي والاجتماعي يجعل التلميذ يواجه رهانات الامتحان منفردا، ويضعف من قدرة المنظومة على تحقيق التوازن بين محاربة الغش وضمان تكافؤ الفرص لذا فإن مقاربة بيداغوجية شمولية تستحضر علم النفس التربوي وتدمج الدعم النفسي والاجتماعي داخل المؤسسة بشكل مسترسل هي السبيل لضمان مصداقية الامتحان الإشهادي، وتحويله من لحظة خوف وضغط إلى تجربة تربوية بناءة تعزز الثقة بالنفس وتكرس قيم النزاهة،فالامتحان ليس فقط اختبارا للمعرفة، بل هو اختبار للقدرة على التكيف مع المواقف الصعبة، وهو ما يستدعي أن تكون المنظومة التعليمية قادرة على مواكبة المتعلم في أبعاده المعرفية والوجدانية والاجتماعية، حتى يصبح النجاح ثمرة جهد متكامل بين العقل والنفس والمجتمع.
وحظ موفق للجميع..


