مع الكوتش برعي محمد

المدرسة العمومية المغربية: حين تصطدم وعود السياسة بأسئلة الميدان والعدالة المفقودة

​تظل المنظومة التعليمية في المغرب المرآة الصادقة التي تعكس تطلعات المجتمع وتحولاته العميقة، وحين يقرأ مسار هذا القطاع الاستراتيجي بعين الفاحص المتأمل، تتضح مفارقة جوهرية طالما رافقت الفعل العمومي في بلادنا: التردد الدائم بين تغيير الأشكال الإدارية ومسميات الحقائب الوزارية، وبين معالجة الجذور الحقيقية للأزمة داخل قاعات الدرس وفي فضاءات المؤسسات التعليمية.
​دلالات التغيير الهيكلي وتحدي الاستمرارية
​إن تتبع دينامية التشكيلات الحكومية وتعديلاتها المتعاقبة يكشف توجها متكررا نحو إعادة رسم الحدود الإدارية؛ فتارة تدمج قطاعات في وزارة واحدة بدعوى التكامل والالتقائية (كالتربية والتعليم الأولي مع الرياضة)، وتارة أخرى يعاد فرزها واستحداث أقطاب أو وزارات منتدبة متخصصة للتكوين والتأهيل أو مكافحة الهدر المدرسي.
​غير أن التحليل التربوي الرصين يرى أن مسألة الإصلاح لم تكن يوما رهينة بصياغة الاسم الرسمي للوزارة أو تفكيك بنياتها وضمها. التحدي البنيوي يكمن في استدامة الرؤية وتحصين الزمن المدرسي من ارتدادات التغيير السياسي، فكل إعادة هيكلة تفرض بالضرورة هدر شهور في إعادة توزيع المصالح والمسؤوليات، وتولّد حالة من الترقب التدبيري، في حين أن الإصلاح الحقيقي يتطلب نفسا هادئا، وتراكما لا ينقطع بانقطاع ولاية أو تبدل حقيبة، بحيث يظل التركيز منصبا على ما يتعلمه التلميذ وكيف يتعلمه.
*​ميزان الالتزامات وثقل المسؤولية التنفيذية:
​لقد شهدت الساحة الوطنية في فترات التنافس السياسي وبناء التحالفات الحكومية طفرة من التعهدات المعلنة؛ سواء الصادرة عن أحزاب التحالف القائد أو عن حزب الأصالة والمعاصرة الذي تصدر المشهد بوعود جريئة ومباشرة مست الوضع المادي والاعتباري لهيئة التدريس وتجويد الخدمات في العالم القروي وإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية.
​واليوم، وبحكم الانتقال إلى مواقع القرار التنفيذي الأول والمسؤولية المباشرة عن توجيه السياسات العامة، لم يعد بالإمكان التعاطي مع تلك الالتزامات كخطاب تعبوي أو وعود مؤجلة،لقد تحولت تطلعات المجتمع الموثقة في ذاكرته الجمعية إلى معيار يومي للمحاسبة الأخلاقية والسياسية؛ فالشارع التعليمي لم يعد يقبل لغة التبرير أو استحضار الإكراهات الموازناتية عند التطبيق، بل ينتظر ترجمة عملية صريحة تعيد التوازن للقدرة الشرائية للأستاذ، وتوفر له الاستقرار الوظيفي التام، وتضمن شفافية مسارات الترقية والتقدير المعنوي.
*​في عمق النقاش الداخلي؛ مشاريع التطوير وأسئلة الميدان:
​داخل دوائر التفكير البيداغوجي ومطابخ القرار القطاعي، يستأثر ملفان أساسيان بنقاش واسع يرتبط بجوهر العدالة التعليمية:
○​مشروع “مدارس الريادة” بين النموذج المعزول والتعميم الشامل:
لا ريب أن تبني أدوات التشخيص المبكر والتدريس الصريح ومعالجة التعثرات الأساسية يمثل مسعى منهجيا سليما لتدارك فجوات التعلم الأولية،لكن الإشكال الفلسفي والعملي الذي يفرضه هذا الورش يتمثل في الاستدامة والإنصاف، إن توفير بيئة استثنائية، ووسائل تكنولوجية متقدمة، وتحفيزات مالية مباشرة في مؤسسات مختارة كتجربة رائدة، يطرح تساؤلاملحاً: كيف يمكن تحويل هذا الجهد إلى قاعدة عامة تشمل آلاف المدارس في القرى المعزولة وهوامش المدن؟ إن لم تكن هناك خطة واقعية وقابلة للتطبيق للتعميم، فإننا نخاطر بخلق تمييز بنيوي يمنح امتياز الجودة لقلة ويترك الأغلبية في ظل شروط تمدرس قاصرة، وهو ما يناقض المبدأ الدستوري في تكافؤ الفرص.
○​التعليم الأولي ومعضلة الوساطة التدبيرية:
إن الإقرار بأهمية السنوات الأولى في صقل مدارك الطفل وتحديد مساره الدراسي اللاحق بات من البديهيات التربوية،غير أن النموذج القائم على تفويض تدبير أقسام التعليم الأولي للجمعيات والجهات الشريكة أظهر محدودية مقلقة على مستوى الاستقرار الاجتماعي والتأطير البيداغوجي،لا يمكن بناء تعليم أولي متين وذي جودة بسواعد مربيات ومربين يعانون من هشاشة العقود وضعف التعويضات وغياب المسار المهني الواضح، النقاش الحقيقي يجب أن يتجه نحو استرجاع هذا السلك ودمجه هيكليا داخل المدرسة العمومية، ليحظى بنفس المكانة والضمانات التي يحظى بها التعليم الابتدائي، تأهيلا للأطر وتحصينا لحقوقهم.
*​أفق الانتظارات ومسؤولية الحسم:
​إن ما ينتظره نساء ورجال التعليم اليوم لا ينحصر في التدابير التقنية الصرفة، بل يتجاوز ذلك إلى الرغبة في استعادة الثقة المتبادلة؛ ثقة تجعل من الأستاذ شريكا، أصيلاً في صياغة التحول لا مجرد منفذ لمذكرات إدارية متسارعة، وتوفر له مناخ عمل يحفظ هيبته في المجتمع ويحميه من أعباء البيروقراطية.
​وبالموازاة مع ذلك، تعيش الأسر المغربية قلقا وجوديا على مستقبل أبنائها، بعدما أرهقها الاستنزاف المالي والاضطرار للجوء إلى القطاع الخاص بحثا عن بيئة دراسية مستقرة.
فالأسر لا تطلب معجزات، بل تريد مدرسة عمومية آمنة، تعلّم المعارف الأساسية، وتبني التفكير المستقل، وتفتح الآفاق للمستقبل، وتعيد تشغيل دورها التاريخي كمصعد اجتماعي يوفر الحماية للجميع.
​إن اللحظة الراهنة لا تحتمل إعادة إنتاج الحلول الترقيعية أو الاكتفاء بإدارة الأزمات الظرفية،إنها لحظة قرار تتطلب شجاعة استراتيجية في تخصيص الموارد، ووضوحا في ترتيب الأولويات، والجرأة في تحويل المدرسة العمومية من ساحة للتجاذبات السياسية إلى ورش سيادي جامع لا يقبل المساومة.
ذ. برعي محمد مهتم بالشأن التعليمي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى