مع الكوتش برعي محمد

المؤثرون بين صناعة القيم وتفكيكها

محمد برعي

قبل سنوات خلت، كان الطريق إلى الشهرة يمر عبر الفن أو الرياضة… أما اليوم فقد يكفي محتوى مليء بالإثارة الفارغة ليصنع نجمًا جديدًا. تحول بعض هؤلاء إلى نجوم يتابعهم الآلاف وربما الملايين، رغم أن رسائلهم لا تحمل قيمة معرفية أو فنية حقيقية. هذه الظاهرة ليست مجرد موجة عابرة، بل تعكس تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، حيث يتقاطع فيها الفضول الشعبي مع خوارزميات المنصات الرقمية، لتصنع مشهدًا متنوعًا يجمع بين الترفيه السطحي، والبحث عن الشهرة السريعة، وأحيانًا استغلال الجدل كوسيلة للانتشار.

لحظة فارقة نعيشها اليوم، حيث تتقاطع مسؤولية الكلمة مع هشاشة المتلقي، وتتحول صفحات التواصل إلى مسرح مفتوح تتصارع فيه القيم مع الإغراءات، والوعي مع الاستهلاك.
لحظة أصبحت أشبه بتيار جارف يتسلل إلى عقول لم ترق بعد؛ لا ليقتات على براءتها، بل ليعيد تشكيل وعيها وفق مقاييس لا تخلو من العبث والسطحية. فلم يعد المؤثر مجرد شخص يشارك محتوى ترفيهيًا أو يومياته الخاصة، بل تحول إلى فاعل اجتماعي له القدرة على إعادة تشكيل أنماط التفكير، وإعادة صياغة القيم التي يتبناها الأفراد والمجتمعات.

ما نعيشه اليوم هو مواجهة حقيقية بين من يزرع بذور الفكر الناضج، ومن يكتفي بتسويق الوهم في قوالب براقة.
ظاهرة تستحق قراءات عميقة لفهم تمظهراتها الإيجابية والسلبية، وتحديد الدور الإيجابي الذي يمكن أن يلعبه المؤثرون في غرس منظومة القيم.

فمن منظور علم النفس المعرفي، المؤثرون يعملون على إعادة برمجة الإدراك لدى المتابعين. المحتوى الذي يقدمونه يصبح بمثابة “مدخل معرفي” يوجه الانتباه ويؤثر على طريقة تفسير الأحداث. فعندما يركز المؤثر على قيم مثل التضامن أو المسؤولية، فإنه يعزز لدى المتابعين مخططات معرفية إيجابية تجعلهم أكثر استعدادًا لتبني هذه القيم في حياتهم اليومية. في المقابل، حين يروج المؤثر لثقافة الاستهلاك أو المظاهر السطحية، وللتفاهة بشكل عام، فإنه يغرس معتقدات معرفية مشوهة تجعل الفرد يربط النجاح بالمظهر لا بالجوهر.

إن المؤثر إذن ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل هو موجه للوعي، قادر على إعادة تشكيل أنماط التفكير الجماعي.
لذلك نجد بعض الباحثين يقرون بضرورة النظر إلى المؤثرين “على أنهم محفزات ثقافية”، كما هو الشأن عند إيميلي هوند Emily Hund في كتابها: صناعة المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي.

الحقيقة التي لا مناص منها، أن المؤثرين يلعبون دورًا في بناء الهوية الفردية والجماعية. هذا التقليد لا يقتصر على المظاهر، بل يمتد إلى الانتماء العاطفي. فالمؤثر الذي يبرز حب الوطن أو احترام الآخر، يغرس لدى المتابعين شعورًا بالانتماء والاعتزاز. في المقابل، المؤثر الذي يروج للسطحية أو الانفصال عن القيم التقليدية، قد يخلق حالة من الاغتراب النفسي لدى الشباب، حيث يشعرون أن قيم المجتمع لم تعد تتماشى مع “الترند” العالمي.

المؤثر بهذا المعنى أصبح جزءًا من منظومة إنتاج الثقافة. هم ليسوا مجرد أفراد، بل “مؤسسات رقمية” قادرة على نشر قيم جديدة أو إعادة صياغة القيم التقليدية.
المجتمع إذن أمام تحدٍّ مزدوج: كيف يستفيد من قوة المؤثرين في نشر القيم الإيجابية؟ وكيف يواجه خطر تحويلهم إلى أدوات لتفكيك الهوية الثقافية؟

والمؤثرون اليوم أمام مسؤولية أخلاقية ومعرفية اتجاه أنفسهم واتجاه الوطن والمواطنين. فالجميل والرائع أن يوازنوا بين الحرية الإبداعية والالتزام الأخلاقي، وأن يدركوا أن تأثيرهم يتجاوز الترفيه ليصل إلى تشكيل السلوكيات والوعي الجمعي. قد يخيفنا الأمر وننساق حول سؤال: هل الأمر يتعلق بدعوة إلى الحد من حرية التعبير؟ فالأمر ليس بهذا المعنى. نحن مع حرية الرأي والتعبير لأن الأمر مكفول قانونيًا، ولكن بكثير من الموازنة بين الحرية والمسؤولية ومعرفة الحدود الأخلاقية في التواصل.

ففي عالم رقمي يتمتع فيه المؤثرون بنفوذ هائل، فإن صناع المحتوى يشكلون اليوم ركيزة أساسية في المنظومة القيمية للمجتمع الرقمي، حيث لا يقتصر دورهم على إنتاج المعرفة أو الترفيه، بل يتجاوز ذلك إلى ترسيخ قيم المسؤولية، والمصداقية، والالتزام الأخلاقي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى