مع الكوتش برعي محمد

الديمقراطية المعيارية والانتخابات بمكناس: بين حرقة السؤال ورهان الجواب

ذ.برعي محمد

تقف مكناس اليوم على خط التماس بين أشواق الديمقراطية المعيارية بأفقها النبيل لبناء الإنسان وعمران المكان، وبين واقع انتخابي ما يزال أسيرا للحسابات الضيقة والتوافقات الهشة، فقراءة المشهد المحلي-من صحن المجلس الجماعي إلى أروقة الفاعلين بالحاضرة الإسماعيلية- تكشف عن فجوة تتسع بين طموح الساكنة العريض ورصيد تنموي يحتاج إلى مراجعة جذرية في الفلسفة والممارسة.

ولقد أثبت الميدان أن زمن الخطابة الرنانة، والديماغوجية، والوعود الكاذبة قد انقضى دون رجعة؛ فقد نضج الوعي الجمعي للمواطن المكناسي وصار يحتكم إلى آلية التدبير بالنتائج وحصيلة المنجز الملموس وفق منطق “الكل مستفيد”. لم يعد الشارع ينخدع بالترحال السياسي الموسمي أو تبديل جلابيب الأحزاب كما يبدل الثوب عند كل استحقاق، بل تخليص الفضاء التداولي من أسر الصراعات الإجرائية والخصومات الجانبية وتوجيهه نحو صناعة الحلول .

وهنا تنبثق الحقيقة الساطعة التي لا مرية فيها: إن مكناس لن تنهض إلا بأناسها وبسواعد أبنائها، غير أن هذا النهوض الحضاري لا يصنع بالنقد الهادم أو بالعبارات المنمقة نضاليا التي تداري العجز الاقتراحي تحت عباءة الترف اللغوي والنجاعة الخطابية المتوهمة، بل ينبع من نقد بناء مدجج بالحجة والبرهان، ويقرن تشخيص الداء بوصفة الدواء القابلة للتنفيذ.

وفي هذا التوجه التنموي الجديد، لم تعد المدينة بحاجة إلى وعود إنشائية عائمة، بل أضحت في حاجة ماسة-وعلى كل المستويات-إلى مشاريع ناطقة بلغة الأرقام الدقيقة والمؤشرات القابلة للقياس؛ مشاريع تترجم الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة تفصل بين الوهم والحقيقة وتضع النجاعة في الصدارة، وقد يكون اختلافنا شاسعا لكن قد نلتقي في أن الأمل المنشود للمدينة لن يستقيم دون إيلاء العناية الكبرى للرأسمال اللامادي عبر مبادرات ثقافية، وفنية، واقتصادية دافقة، يجد فيها الشاب المكناسي ذاته وتستوعب طاقاته الإبداعية، لينتقل من كراسي الانتظار والتهميش إلى مركز الفاعلية والتغيير.

وفي ضوء هذه الرؤية التحديثية، تتفجر أسئلة استفزازية حارقة حول المستقبل:
كيف السبيل لتنزيل الديمقراطية المعيارية من برجها الفلسفي إلى واقع تنفيذي يخضع فيه الفاعل السياسي لميزان الحساب والمحاسبة؟!
أي دور استراتيجي تنتظره مكناس من مجتمعها المدني وساكنتها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لإعادة ترسيخ أساسيات الفعل الديمقراطي وصيانة الإرادة الشعبية؟!
وأي قيمة حقيقية سيمتلكها “الصوت المكناسي” في الميزان المعياري؛ هل يظل مجرد رقم لحسم المقاعد وتقاسم التوافقات، أم يتحول إلى وثيقة تعاقدية وأداة تغيير حاسمة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتقاطع مباشرة مع جوهر التدبير التشاركي الذي أرساه الفصل 139 من دستور 2011، إذ ينص صراحة على أن:
“تضع مجالس الجهات، والجماعات الترابية الأخرى، آليات تشاركية للحوار والتشاور، لتيسير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية ومتابعتها.”

ومن هذا المنطلق، فإن المجتمع المدني المكناسي-الذي يمثل الشريان الحي لأحياء المدينة وقصباتها العتيقة والتوسعات الحديثة-مطالب بالارتقاء إلى مستوى هذه الأمانة الدستورية، فيحول مطالبه من عرائض انفعالية ترقيعية إلى قوة اقتراحية متماسكة تعتمد لغة الأرقام والمؤشرات.

ولئن شهدت الحاضرة الإسماعيلية فترات من التذبذب والتردد أبطأت مسارها، فإن هيبة أسوار “باب منصور” وتاريخها التليد يلتقيان اليوم مع دينامية واعدة تضع المدينة على “طريق سيار” من التحديث والتأهيل الحضري، مؤكدة أن زمن التردد قد انطوى لحساب منطق الإنجاز والعمل الميداني.

لم تعد مكناس اليوم بحاجة الى تبريرات إنشائية أو وعود بلاغية استهلكها الزمن،بل هي في أمس الحاجة الى مقاربة براغماتية تترجم الالتزامات الى واقع ملموس ، بل تحتاج إلى “سياسي إنسان”و”مواطن مستثمر في مدينته”-من مجالس منتخبة، ونخب فكرية، وفعاليات مدنية، وقطاع خاص-للتكتل وراء مشروع تنموي جامع، فتاريخ مكناس لن يكتبه ركام الترف اللغوي، بل تصوغه السواعد المتكتلة، لتستعيد المدينة مكانها الحضاري وتصوغ مستقبلا يليق بأجيالها القادمة كقطب تنموي وثقافي رائد.
فحين تعلو الإرادة فوق الحسابات الضيقة ،يصحو التاريخ في مكناس ليكتب بمداد الفعل الصادق، لا بصدى الكلام.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى