
توفيق اجانا
لسنا ممن يبيعون أقلامهم مقابل مكاسب عابرة، ولا ممن يسخرون الكلمة الإرضاء هذا الطرف أو ذاك، ولا ممن يؤمنون بمنطق “هاك فمي وكول به الشوك”. كما أننا لا نكتب طمعا في أجرة بخسة، ولا سعيا إلى تصفية الحسابات أو المزايدة على أحد. نكتب لأن الكلمة مسؤولية، ولأن الصحافة الحرة لا تؤدي رسالتها إلا حين تكون مستقلة، صادقة، ومنحازة للحقيقة وللمصلحة العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن ما نطرحه اليوم لا يستهدف التشكيك في حق أي ناد في الاستفادة من الدعم العمومي، ولا ينتقص من قيمة أي مكون رياضي داخل جهة فاس–مكناس، وإنما يهدف إلى فتح نقاش مسؤول حول معايير توزيع هذا الدعم، ومدى احترامه لمبادئ العدالة والإنصاف والشفافية. فالنقد البناء ليس معارضة من أجل المعارضة، كما أن الدفاع عن الإنصاف ليس موقفا عدائيا تجاه أي طرف، بل هو دعوة إلى ترسيخ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالوضوح والاستحقاق.
أعاد قرار مجلس جهة فاس–مكناس تخصيص مساهمة مالية بقيمة مليار سنتيم لفائدة فريق اخر لكرة القدم إلى الواجهة نقاشا قديما ومتجددا حول فلسفة تدبير الدعم العمومي الموجه للأندية الرياضية، والمعايير التي تحكم توزيعه، ومدى انسجامه مع مبادئ العدالة المجالية والإنصاف بين مختلف مكونات الجهة.
ففي الوقت الذي لا يعترض فيه أحد على حق أي ناد في الاستفادة من الدعم العمومي متى توفرت المبررات القانونية والتنموية، يبرز تساؤل مشروع حول موقع النادي المكناسي، أحد أعرق الأندية الوطنية، ضمن أولويات السياسات الرياضية الجهوية. فالكوديم ليس مجرد فريق لكرة القدم، بل مؤسسة رياضية صنعت جزءا من تاريخ الكرة المغربية، وارتبط اسمها بمدينة مكناس لعقود، وأسهمت في تكوين أجيال من اللاعبين وترسيخ ثقافة رياضية لا تزال حاضرة في وجدان الاف الأنصار.
ان الشعور الذي يسود قطاعا واسعا من جماهير النادي لا يرتبط فقط بقيمة الدعم المالي، بل بالاحساس بان الفريق لم يعد يحظى بالاهتمام الذي ينسجم مع تاريخه ورمزيته. وهذا الإحساس، سواء اتفق معه أم اختلف، يستحق أن يناقش بجدية من قبل المؤسسات المنتخبة، لأن الثقة في السياسات العمومية تبنى أيضا على وضوح المعايير وتكافؤ الفرص.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل غياب رؤية جهوية معلنة لتطوير الرياضة، تحدد الأولويات والأهداف ومؤشرات الاستحقاق. فالدعم العمومي لا ينبغي أن يفهم باعتباره قرارا ظرفيا أو استجابة لضغوط آنية، بل يفترض أن يكون جزءا من سياسة رياضية متكاملة، تستند إلى معايير موضوعية، من بينها التاريخ الرياضي، والقاعدة الجماهيرية، والمردودية المجتمعية، والتكوين، والحكامة، وحاجيات كل ناد، بما يضمن تكافؤ الفرص بين الجميع.
ومن جهة أخرى، فإن مدينة مكناس، باعتبارها إحدى كبريات مدن الجهة، تستحق أن يكون لها فريق قوي وقادر على المنافسة، لأن نجاح الأندية الرياضية ينعكس مباشرة على صورة المدينة، ويخلق دينامية اقتصادية واجتماعية وثقافية، ويمنح الشباب فضاءات للأمل والانتماء. لذلك فإن الاستثمار في الأندية التاريخية لا يمثل عبئا على المال العام، بل يعد استثمارا في الرأسمال البشري والتنمية الترابية.
إن المرحلة الراهنة تفرض على مجلس جهة فاس–مكناس اعتماد مقاربة أكثر توازنا وشفافية في تدبير الدعم الرياضي، تقوم على إعلان معايير واضحة وقابلة للتقييم، حتى لا تتحول قرارات الدعم إلى مصدر للجدل والاحتقان بدل أن تكون أداة لتحقيق التنمية الرياضية.
فالنادي المكناسي لا يطالب بامتيازات استثنائية، وإنما يطمح، كما يطمح أنصاره، إلى معاملة منصفة تنسجم مع تاريخه ومكانته ودوره داخل النسيج الرياضي الوطني. كما أن المطالبة بالإنصاف لا تعني معارضة دعم باقي الأندية، بل تعني أن تستفيد جميع مكونات الجهة من سياسة رياضية عادلة ومتوازنة، يكون فيها معيار الاستحقاق والمصلحة العامة فوق كل اعتبار.
إن الجدل الذي أثير حول هذا الملف ينبغي أن يشكل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في نموذج تمويل الرياضة على المستوى الجهوي، والانتقال من منطق القرارات الظرفية إلى منطق التخطيط الاستراتيجي. فالأندية التاريخية لا تحتاج فقط إلى إعانات مالية، بل تحتاج إلى رؤية، وشراكة، وثقة، وسياسات عمومية تجعل من الرياضة رافعة للتنمية، لا مجرد بند ضمن جداول الميزانية.





