
رياض الفرطوسي
تضجّ حياتنا العامة بمشهد مكرر، يثير في النفس مزيجاً من الرثاء والسخرية؛ ذلك التهافت المحموم على المقاعد الأمامية، حيث يتدافع البعض لاقتناص سنتيمترات أقرب إلى الضوء. ففي مجتمع متورم بـ “الأنا” والتباهي، تصاب الفعاليات بالشلل لأن “النخب” بشتى تصنيفاتها ( من مسؤولين وبرلمانيين، وشيوخ عشائر، وعمائم ) يأبون جميعاً إلا أن يحشروا ذواتهم في الصفوف الأولى. يضطر المنظمون لزرع كراسي إضافية “قلقة” في المقدمة، تشوه المنظر وتعيق الحركة، فقط لإرضاء نهم هؤلاء للظهور. هذا المشهد ليس ترتيباً بروتوكولياً، بل هو عرضٌ سريري لمرضٍ عضال؛ إنه البحث اليائس عن “الوقود النرجسي” في محطات الإعجاب الخارجية، لأن المحركات الداخلية للذات معطلة تماماً.
هذا النزوع الاستعلائي ليس وليد اليوم، بل هو إرث من “السلطة المتضخمة” التي ترى في التراجع صفاً واحداً إهانة لكيانها. يُروى أن صدام حسين، الذي كان يسكنه هاجس “التقدم” في كل شيء، ذهب يوماً إلى السينما وأصرّ على الجلوس في المقاعد الأمامية، وحين قيل له إن الرؤية الأفضل والأكثر راحة تكون من المقاعد الخلفية، امتعض وتكدر مزاجه؛ فالمسألة لديه لم تكن “متعة المشاهدة”، بل رمزية “التصدر” حتى لو كانت عملاً يفتقر للمنطق. وتفادياً لهذه الصراعات المرضية على “السيادة” المكانية، لجأت بعض المحافل الذكية إلى اعتماد “الطاولة المستديرة” في اجتماعاتها، هرباً من هندسة المربعات والمستطيلات التي تمنح طرفاً ما فرصة ليكون “سيد الجلسة”. إنها محاولة معمارية لكسر معضلة “الطبقية الوظيفية”، وفرض مساواة قسرية على أشخاص لا يشعرون بوجودهم إلا إذا احتكروا “رأس” الطاولة.
إن هذا الصنف من البشر يعاني مما يسميه الطب “التشوه المعرفي”؛ هو لا يملك صورة حقيقية عن نفسه، بل يرى وجوده عبر مرايا الآخرين المهشمة. إنه كائن مفرغ من المعنى، يمتص طاقة من حوله ليستمد نبضه، تماماً كمن يبحث عن محطة شحن لبطارية ميتة. هو الشخص الذي قد يركب سيارة فارهة لكنها في الحقيقة هي من تركبه، أو يرتدي ثياباً تتحكم به بدلاً من أن يرتديها. وبما أن رضا الناس غاية لا تدرك، فإنه يظل في حالة لهاث منهك خلف إطراء عابر، وهو يعلم في قرارة نفسه أن الآخرين سيكتشفون “عاهته” الوجودية في لحظة ما، فتتحول حياته إلى واجهة عريضة لهوية من ورق.
لقد علمتنا تجارب النفس البشرية أن الضوء الحقيقي ينبع من الداخل لا من “كشافات” المنصة. يُحكى أن الفيلسوف اليوناني “ديوجين” كان يجلس في الشمس بملابسه الرثة، وحين جاءه الإمبراطور الإسكندر الأكبر ( وهو في قمة مجده وسطوته ) وسأله: “ماذا تريد مني أن أفعل لك؟”، أجابه الفيلسوف بهدوء: “أريدك فقط أن تبتعد قليلاً لتترك لي ضوء الشمس”. هنا تتجلى العظمة في أنبل صورها؛ فالإمبراطور الذي يملك الصفوف الأولى في التاريخ، يقف عاجزاً أمام إنسان يملك “ذاته”، ولا يرى في السلطة أو المكانة سوى حائل يمنع عنه الضياء الطبيعي.
إن الشخصية الممتلئة والراضية عن نفسها لا يضيرها أين تجلس، فقيمتها تنبع من صدقها الذاتي. ولعل أقصى درجات الحسم في التعامل مع هؤلاء “المستعرضين” هو التجاهل التام؛ فالتجاهل هنا هو الفعل الجراحي الوحيد الذي يضرب المبدأ الوهمي الذي بنوا عليه شخصياتهم الزائفة. حين تحرم “النرجسي” من الالتفات، أنت تضعه في مكانه الحقيقي الذي يهرب منه.
أجد نفسي دائماً أميل إلى الصفوف الخلفية؛ هناك حيث يمكنك رؤية القاعة بوضوح وهدوء، بعيداً عن برودة المقاعد الأولى وتكلفها المتعب. المقعد الخلفي أكثر دفئاً وإنسانية، يمنحك رفاهية المراقبة والانتباه للتفاصيل دون أن تكون تحت “المقصلة البصرية” للآخرين. في عالم مزدحم بالكراسي الفارغة من القيمة، يبقى المكان الحقيقي للإنسان هو تموضعه داخل روحه، أما المقاعد الأمامية فليست سوى منصات باردة لأجساد يرتجف في أعماقها الخواء.















