اش واقع فمدينتي

تحت الحصار الابيض

توفيق اجانا

في كل شتاء، ومع أولى موجات البرد القارس، تعود الحكاية نفسها إلى واجهة المشهد في القرى والمناطق الجبلية. هناك، حيث ينام الناس على أمل شروق شمس دافئة، يستيقظون على صمت أبيض كثيف يبتلع الطرق والدروب، ويغلق الأبواب على ساكنة وجدت نفسها فجأة معزولة عن العالم. الثلج الذي يراه البعض لوحة طبيعية خلابة، يتحول في هذه الربوع إلى اختبار يومي قاسٍ للصبر والقدرة على البقاء، حيث تصبح خطوة واحدة خارج البيت مغامرة، وتتحول الطريق نحو السوق أو المستشفى إلى حلم مؤجل.

تحت هذا الغطاء الأبيض، تتضاعف المعاناة لدى الأسر التي تعيش على إيقاع الماشية. في الحظائر البسيطة، ترتجف الأغنام والأبقار بردًا، فيما يقف الفلاح حائرًا أمام نفاد الأعلاف وصعوبة جلب المزيد بسبب انقطاع المسالك. كل رأس ماشية نافقة ليست مجرد خسارة اقتصادية، بل ضربة موجعة لمصدر العيش وتهديد مباشر لاستقرار أسرة بأكملها.

وفي البيوت المتواضعة، تشتد قسوة الطقس على المسنين والمرضى، حيث تتحول نوبات البرد إلى معركة صامتة مع الألم، بينما تبقى سيارات الإسعاف بعيدة، محاصَرة بالثلوج، وكأن القدر قرر أن يؤجل النجدة إلى إشعار آخر.

ولا تقف المأساة عند حدود الجوع والمرض، بل تمتد لتلامس كرامة الإنسان وشعوره بالإنصاف. فالعزلة الطويلة تولّد إحساسًا مريرًا بالنسيان، وكأن هذه المناطق لا تظهر على الخريطة إلا حين تشتد الكوارث. الأطفال ينقطعون عن الدراسة، والنساء يواجهن الخطر في حالات الولادة الطارئة، فيما تتحول الأيام إلى انتظار ثقيل لانفراج قد يتأخر. هنا، لا يطلب الناس المستحيل، بل فقط حقهم في طريق مفتوحة، ودفء يحميهم، وتدخل سريع يشعرهم بأنهم جزء من الوطن لا هامشه البعيد.

إن ما تعيشه ساكنة المناطق الجبلية مع كل تساقط ثلجي ليس قدَرًا محتومًا، بل نتيجة غياب رؤية استباقية حقيقية. فبين ما هو ممكن وما هو واقع، مسافة تُقاس بالإرادة والقرار. طرق مهيأة، مخزون أعلاف، وحدات طبية متنقلة، وآليات جاهزة لفك العزلة، كلها حلول ليست ترفًا بل ضرورة إنسانية. وحين يتحول تدبير البرد من رد فعل مؤقت إلى سياسة دائمة، فقط حينها يمكن للثلج أن يعود نعمة كما يجب أن يكون، لا عبئًا يثقل كاهل من لا يملكون سوى الصبر.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى