ثقافة وفن

ما دور الإدارة التربوية في تفعيل أنشطة الحياة المدرسية؟

سعيد توبير
لقد تأطر الاهتمام بهذا الموضوع المتواضع في إطار التكوین الأساسي الخاص بمسلك أطر الإدارة التربویة، لمواكبة الدینامیة التي تعرفها المملكة المغربیة في مجال التربیة الوطنیة، التي عرفت في العقود الأخیرة، توالي برامج الإصلاح الموجهة للنهوض بالتربیة والتكوین. بحیث توجت بإصدار القانون الإطار 51/17 باعتباره أحد الرافعات الأساس التي ركزت علیها الرؤیة الإستراتیجیة من حيث دعم التكوین والتكوین الأساس لمختلف مكونات قطاع التربیة الوطنیة بما فیها الإدارة التربویة. ولذلك اختصت المراكز الجهویة لمهن التربیة والتكوین في عدة تكوينات و مهارات، كالتدریس والإدارة التربویة والدعم الإداري والإجتماعي. و بالتالي یرتكز تكوین أطر الإدارة التربویة على اكتساب مهارات التدبير العصري : تفعيل دینامیة القيادة التربوية على قاعدة التدبیر التشاركي، التواصل الديمقراطي و الفكر التربوي المعاصر باعتباره الملجأ الأخير لتطوير أداء التلاميذ التعليمي و التربوي.
يعتبر وعي الإدارة التربوية – بالتحديات السوسيو اقتصادية، الإكراهات البيداغوجية و الصعوبات المادية و المالية التي يواجهها النظام التعليمي المغربي-، أساس الإستجابة المتصلة بتفعيل أنشطة الحياة المدرسية ذات الصلة بالمذكرات الوزارية. و ذلك في ضوء التحولات العالمية الكبرى ” الفورة الرقمية” و “العولمة الهاجمة” و تداعيات جائحة كورونا الكارثية. و بالتالي أصبح من الضروري منهجيا أن تواكب الإدارة التربوية ذات النفس القيادي، إنجاز وظائفها الاعتيادية بمشاریع بحوث إداریة تربویة “تدخلية”، توفر على الأقل إمكانيات اجتراح بدائل أو حلول ممكنة تكشف مدى تمكن الإطار” الإداري التربوي” من الاقتدار على خوض تجربة معالجة بعض مشاكل المؤسسة التربوية: ومن بينها ظاهرة صعوبات الإندماج و الإضباط المدرسيين، إضافة الى التعثر الدراسي و المتمثل في معاناة تلامذة الثانوي الإعدادي و التأهيلي من الثغرات المعرفية و اللغوية”، على أساس أن هذا الفعل التدخلي ” تفعيل أنشطة الحياة المدرسية” كمدخل من المداخل الواعدة لتطویر المؤسسة و الرفع من أدائها التعليمي و التربوي.
وعليه فإن الدافع الرئيس وراء اختيارنا لموضوع هذا البحث التدخلي ” دور الإدارة التربوية في تفعيل أنشطة الحياة المدرسية” يكمن في تعميق الاهتمام ومحاولة دراسة طبيعة الظاهرة التربوية في مختلف أبعادها : ( البيداغوجية/ التربوية/ النفسية/ الاجتماعية و الاقتصادية) بهدف التفكير في بعض الحلول الممكنة لانتشالها من حالة العزلة و الهشاشة. سيما و أن تجربتنا الطويلة نسبيا في تدريس مادة الفلسفة بالثانوي التأهيلي دفعتنا الى تكوين ملاحظات وجيهة تكشف طبيعة التراجعات الدراسية و التربوية. كما يمكن أن نضيف أن هذا الوعي ازداد حدة في عصر لم تعد فيه المدرسة قاطرة التغيير فيه، بل غدت على خلاف ذلك تسعى إلى مواكبة التغيّرات التي عرفها المحيط، و من بين هذه العوامل ما هو إداري تنظيمي تشريعي، وما هو متّصل بواقع العلاقة مع المحيط، وما هو مرتبط بتطوّرات عالم الشغل، و ما هو وثيق الصلة بمنظومة قيم العيش.
لا أحدا اليوم يستطيع أن ينفي أهمية التعليم في تحقيق التنمية و بناء المجتمع الحديث، الذي يستوجب بدوره ضرورة تكوين إدارة تربوية قيادية، تشرف على كل عمليات التربية و التكوين و التوجيه و التسيير و التقويم و الإشراف التربوي و التدبير التشاركي. بيد أننا نستشعر نوعا من الغموض و غياب الوضوح في تعريف “الفكر التربوي” المحايث لروح التدبير الإداري، الشيء الذي يفترض ابتداء تأسيس “خطاب تربوي” متماسك يوجه ممارساتنا نحو غايات شمولية و أهداف متنوعة و متكاملة كما ونوعا عبر ”بحوث تربوية“ (1) محددة بدقة، و ذات طبيعة أكاديمية تلبي متطلبات اللحظة الراهنة بكل مشاكلها وقضاياها و يستجيب في نفس الآن لحقوق الشخص الانساني في التكوين المتكامل. و تجدر الإشارة إلى أن تنوع تجارب الغرب للعناية بالشؤون التعليمية التربوية منذ القرن التاسع عشر و الدراسات ذات الصلة : ( المجال المدرسي، العلاقة البيداغوجية، أهداف التعلم، التقويم التربوي و غير ذلك). قاد هذا التنوع و التعدد في النهاية الى ”وعي تربوي” (2) صيغ داخل مقولات نظرية و ساهم بشكل كبير في بلورة وعي جماعي بأهمية ”البحث التربوي “ ودعمه بخطاب نظري مسلح بمفاهيم صلبة حول ( الطفولة، التعلم، الثقافة المدرسية و العقد و التقويم التربويين …)
كل ذلك يتأطر ضمن “نظام تربوي” يتضمن السياسة المعتمدة من طرف الدولة و التي يتم تصريفها على مستوى المؤسسات ومنها ” المؤسسات التربوية “، مع مراعاة الخصوصيات البيئية و الثقافية و كذا الغايات الكبرى التي ترمي النظم الاجتماعية الى تحقيقها. تعتبر عملية بناء ” السياسات التربوية” من أهم متطلبات التخطيط و النمو في جميع البلدان، من جهة كونها مرشدا للتفكير وبناء هندسة الأهداف، الوسائل و الاجراءات. كما تعد مصدرا رئيسا في الإعداد، التنمية، التدريب و التأهيل للموارد البشرية في المجالات : العلمية، الاجتماعية، التربوية و الثقافية، العسكرية، الفنية و الاقتصادية التي يحتاجها أي مجتمع لتحقيق الرفاه، التطور و التقدم في مختلف مستوياته المتعددة. وتعد الجودة التربوية كذلك مطلبا ملحا في الوقت الراهن، بمعنى أن مختلف منظومات التربية في العالم لم تعد تكتفي بتقديم تعليم إلزامي ومجاني للمتعلمين، بل غدت مدعوة إلى تقديم تعليم ذي نوعية، يسهم في النمو المتكامل و المتوازن لذات المتعلم( نفسيا، بدنيا وذهنيا)، ويتيح له اكتساب الكفايات المختلفة للعيش في مجتمع تعددي، متنوع و متغير باستمرار.
المفارقة التي تسكن صلب موضوع، الذي سوف نتناوله بالدراسة و التحليل و المناقشة هو كيف يمكن إقدار أطر الإدارة التربوية على تبني و استيعاب و تطبيق “القيادة التربوية” في تفعيل أنشطة الحياة المدرسية في تحقيق شروط الانضباط و الإندماج المدرسيين. أي كيف يمكن أن نجعل من الإدارة العمومية في بعدها التربوي أساس تحقيق سياسة تعليمية و تربوية في مستوى انتظارات المجتمع و تحديات المستقبل؟ تلك أسئلة نطرحها كأرضية خصبة للنقاش و الحوار و التحليل على قاعدة أقوى حجة تربوية .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى