
عبدالرزاق المشاطي
تمائم تيه التيه عندما تبحث الأنفسنا الشح على أن تروي عطشها في عالم أسطوري مليئ بالمتناقضاتفإن الضعف الداخلي الذي يجتاحنا يجعلنا نبحث عن خلاصنا ولو في أبسط وأتفه الأشياء. كما يقول المثل الغريق يتشبث ولو بقشة.. تمائم حين نتشبث ببقايا الأشياء الميتة لنحيا بموتها يكون موتنا مضاعفا.. ذلك بأننا نسلك متاها أخر في عالم أكثر تشعبا وفوضاوية نسلم فيه انفسنا لريح خبيثة.. في عالم مدنس يكسر قداسة الانسان السوي ليجعله يعلق في وحل الخرافة التي يصدقها ويرتمي في أحضانها ظنا منه انها الخلاص.. هذا العبث الروحي الممزوج بالغموض والذي يتربى في لحظة انفجار وجداني يغيب فيه العقل الانساني ليسلم نفسه في لحظة استسلام لنزوة تخرجه من عالم الحقيقة لعالم الخرافة والدجل بطقوسه الغريبة الممزوجة بإيقاعات روحية تتعدد مشاربها وألوانها ومنطلقاتها لكنها تصب في نفس المرامي.. هو عالم يوحد من ولجوا إليه ولو بتعدد خلفياتهم ومنطلقاتهم العقائدية والإديولوجية… هي بمثابة محاولة هروب فاشلة من تسليم الروح للقدر إلى قوى داخلية تتحكم فيها معتقدات لاقيمية ولاكونية نابعة فقط من عالم أسطوري متخيل لكن بتأثير شعوري حسي حقيقي ولو كان خادعا… إنها أزمة الإنسان التائه بين أقداس المقدس وأدناس المدنس… الإنسان الذي ليس له جدور ثابثة بمعتقد سليم كروح تائهة في مهب ريح لاشرقية ولاغربية…تمائم هي محاولة لإعادة قراءة أشياء في أنفسنا نهابها خارجيا ونربيها داخليا بالتسليم للمعتقد الشائع الذي يتحكم في خيوطه الجهل بذواتنا لنسلمها إن طوعا أو كرها لذوات أخرى لتعبث بها كيف تشاء.. هي لحظة يغيب فيها العقل فاسحا المجال للوجدان ليرقص رقصة الديك المذبوح في عالم غيبي مليء بالاحتفالية والطقوس الغرابة… نجحت فرقة مقامات للأشكال الثقافية من خلال عرضها تنائم لتنقلنا إلى هذا العالم الغريب المتناقض والذي رغم غرابته يجد صداه في دواخلنا معلنا أن بعضا من حقائقه تسكن وجدادنا الذي لانعرف له حدودا ولانستطيع التحكم في كل أسراره لما يفرض علينا من متاهات شعورية تفوق التصور والعقل.. إذ لايمكننا السيطرة عليها دون أن نسيطر على وضع حدود طبيعية لإدراكنا الواعي وتأطير لوجداننا الامتناهي…تنائم هي بحث عن روح أخرى تهوى عذاباتها في عالم ميتافيزيقي لا تؤطره أي مبادئ ولاقواعد إنسانية.. وكأن الإنسان يهرب من الإنسان. محاولا تشكيل عالم آخر خاصا به يخضع نفسه إليه ليخضع غيره له. .. هذا الخضوع المتبادل الذي يؤجج الصراع الداخلي والخارجي بين مكونات النفس البشرية بحثا عن إشباع نزواتها محركة لصراع أبدي يعيش ويترعرع مع دورة الحياة.. قد تتعدد أساليبه وتتطور لكن تبقى بنفس الهدف ونفس المعنى… في رؤيته الإخراجية عمل مخرج المسرحية على أن يجعل الجسد لغة رئيسية لإيصال رسالته حيث برع ( الممثلين) المؤدين في تجسيد هذه الهواجس بانسجام تام يبرز الجهد المبذول في تحضير العرض المسرحي وتفاني كل المشاركين فيه وحرصهم على إظهار أفضل مالديهم لنجاح العرض وإيصال فكرته للمتلقي.. وقد خلقوا بذلك فرجة منقطعة النظير استجاب لها الجمهور الحاضر بالانصات والتتبع الجيد حيث شدت مشاهد العرض انتباه الحاضرين إلى نهايتها.. مما يؤكد على جودته .. فشكرا لأعضاء الفرقة على عطائهم وإبداعهم وعلى الفرجة التي قدموها لنا من خلال عرض تمائم وعلى رأسهم الفنان فيصل الخدير مخرج الفرقة ومشرفها















