
في عمق العتمة، حيث لا شيء يُرى بوضوح، تولد “قطرة”… لا ماء فيها، بل هي تجسيد لضياع كامل، ضياع الإنسان في متاهة وجوده، في صراعه مع ذاته ومع الآخر، في طابق سابع لا نافذة له سوى خيط أمل رفيع يتدلى من قبعة صفراء جلبت الشقاء بدل السعادة هكذا قدم لنا المخرج المسرحي القراءة الركحية للعمل المسرحي ” قطرة ” .
مسرحية “قطرة ” متلاشيات الضياع في ثقب الفضاء ، ليست مجرد عرض مسرحي ، بل تجربة وجودية محضة، تسبح في فضاء رمزي كثيف وغامق أحيانا ، تتناسل فيه الأسئلة ولا تطرح فيه الأجوبة ، الشخصيات ليست كيانات منفصلة، بل انعكاسات لنفسٍ واحدة منكسرة، موزعة بين الانبطاح والانتهازية ، بين الحلم والبؤس، بين الطفولة المجهضة ورجل الدين المتخفي خلف قناع المصلحة و الشوفينية المقيتة .
في مسرحية ” قطرة “، تتحول الوردة إلى حلم معلق، والإعاقة إلى استعارة موجعة، والخرشاشة إلى رمز لطفولة لم تفطم من حنين نزوات غريزية ( توضيف حالة الطفل ) ، إنه عالم يتقاطع فيه المرئي باللامرئي، المنطوق بالصامت، فالمسرح الرمزي
لا يقول كل شيء، بل يومئ إلى ما لا يُقال، ويجعل الصمت أبلغ من الكلام .
وقد كان الصمت في هذه المسرحية صاخباً بما يكفي، موسوماً بموسيقى شاحبة، بوجه فتاة يشبه الملائكة وصوت لا يُشبه إلا الحلم حين يكون مكسوراً مصحوبا بموسيقى منكسرة و معبرة عن حالة الاحباط و لا الجدوى في أداء الممثلين و تنقلهم في الخشبة
ومع كل مشهد، كان المخرج زكريا حسني بمعية كل الممثلين ينزع الحواجز بين الجلاد والضحية، فلا أحد بريء بالكامل، ولا أحد مذنب تماماً، الكل في ورطة، الكل عالق في ثقب لا يُفضي إلى ضوء، ومع ذلك – ويا للمفارقة – يبحث الجميع عن قطرة… فقط قطرة، كأنها خلاص أو بداية جديدة، أو على الأقل، وهم و حلم جميل يُؤجل الانهيار الكامل …
إنها مسرحية لا تقدم الحلول، بل تفضح المأزق، لا تبشر بالخلاص، بل تدعو للتأمل في العتمة… وربما، إلى إصغاء أكثر عمقاً لصوت منسي في دواخلنا، حيت يقول لسان حال جميع الشخصيات ما زال الأمل ممكناً، ولو في قطرة.
اعتمد المخرج زكريا حسني أسلوب التناوب في توزيع الفشل و الإنكسار على الجميع، ليذيب الخط الفاصل بين الضحية والجلاد، وهي رؤية مسرحية عميقة تُخرج العمل من الثنائية الأخلاقية المبسطة والسطحية ، ليسافر بنا و يدخلنا في فضاء جدلي مفتوح على التأويل و الرمزية الخلاقة .
بالتوفيق لهذا العمل المسرحي الجريء و الذي امتع جمهور الحي المحمدي في المهرجان الوطني في دورته الخامسة















