مجتمع

وضعية مقبرة باب البرادعيين وغياب رؤية استشرافية

توفيق اجانا

تقع مقبرة باب البرادعيين في الجهة الشمالية الغربية من المدينة، فهي مقبرة تضم ضريح الولي الصالح مولاي عبد الله بن أحمد (ت. 833هـ/1429م)، وضريح الولي الشيخ الكامل (ت. 933هـ/1526م)، وكذا شهداء أحداث وادي بوفكران 1356هـ/1937م وغيرهم

هذا وتقع المقبرة على طول الشارع الرابط بين باب البرادعيين وباب السيبة المندثر عند الجهة الجنوبية (باب الجديد)، ورغم مساحتها التي تتجاوز 20 هكتارا، إلا أنه ولتاريخها الطويل فقد اكتظت حتى وصلت نسبة امتلائها حوالي 70%  نظرا لأنها تعد من المقابر الأولى للدفن في المدينة، حتى إنها كانت تمتد داخل المدينة القديمة وراء السور الذي يربط باب البرادعيين بباب الجديد عند حـدود الحي المعروف “بجناح الأمـان” القائم فوق بعضها لاحقا، كما اقتطع منها جزء كبير عند أسفل باب البرادعيين الخارجي، عند رصيف مرفئ الحافلات، المشرف على الحوائر، وذلك لإقامة الطريق الرئيسية سنة 1978م

وتجدر الإشارة إلى أنه وقبل بناء هذا السور الذي أصبح يحيط بالمقبرة اليوم، كان يوجد فقط قسم منه يرجح أن أصله كان عبارة عن سور لحمل قناة مائية، يمتد من باب البرادعيين إلى ضريح مولاي عبد الله بن أحمد باتجاه الحوائر، وهو القسم الذي تم تجديده في عهد السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام (1822- 1859م)    لكن ونظرا لما عرفته الجهة الجنوبية من تشويه جراء إحياء موسم الشيخ الكامل، فقد شهدت المقبرة إتمام سورها سنة 1933م بأمر من السلطان سيدي محمد بن يوسف (1927- 1961م) بعد أن اشتكى سكان المدينة له بذلك.

وتعد مقبرة باب البرادعيين من أقدم مقابر مدينة مكناس، اذ تتوفر على 26 هكتار، تمتد على مساحة 260000 متر ،وحسب الاستطلاع الميداني الذي أجرته جريدة ميديا15 يتضح على أن هناك الثلث لازال صالحا للاستغلال في دفن الوفيات الوافدة على المقبرة لمدة قد تصل الى مئة سنة، لكن نظرا للإهمال الذي تعرفه اضحى يستعصى إيجاد مكان لدفن الوفيات، بسبب الأعشاب المتكاثرة بين ارجاء المكان، ولولا بعض جمعيات الحي التي سعت الى محاولة تنظيف المكان وخلق ممرين من اجل تسهيل مرور الجنائز وايجاد مساحات فارغة، لكن نظرا لشساعة المكان فقد أثقل كاهلها في غياب الدعم اللوجستيكي من طرف الجهات المختصة.

لذلك فهي تحتاج الى يد عاملة قد تصل الى مئة شخص من أجل صيانتها وتأهيلها لإضفاء عليها رونقا جميلا يليق بمقبرة المسلمين، وتنظيمها من حيث الشكل واللون والحجم، وهدم القباب التي توجد بها، والتي لا تمت بأي صلة بوالي أوما شابه ذلك.

فهي تعد مرتع للرذيلة، وللمتسكعين والمتسولين، مما تفقد المقاصد المتمثلة في الترحم على الموتى في جو من الخشوع والصفاء الروحي. بل أكثر من ذلك فهي (إزالة القباب) قد تساهم في توفير مساحة إضافية للدفن لتفادي العشوائية في معظمها.

مقبرة باب البرادعيين تحتاج الى نظام دقيق

تحتاج مقبرة باب البرادعيين الى نظام دقيق من اجل القطع مع كل الممارسات المشينة والمستغلة للظرفية بدون رحمة ولا شفقة، سواء كانت عائلة المتوفى ميسورة او غير كذلك لان الظرفية تحتم وجود فكرة تأخذ بعين الاعتبار الجانب الوظيفي للمقبرة والعمل على تقنين الحراسة، والتي ينبغي أن تتجلى في خمسة حراس متفرقين عبر أبوابها الخمسة .

 ويمكن إضافة باب سادس يتعلق بمقبرة الشهداء التي تعتبر جزء من مقبرة باب البرادعيين ،وانما تم تخصيص جانبا منها تحت اسم مقبرة الشهداء بمدخل مستقل نسبة للفاجعة التي عرفتها ابان معركة بوفكران.

 إضافة الى اعتماد محافظين ولا يقل عددهم عن ستة اشخاص، وتسند لهم مهام الضبط والترقيم في سجلات خاصة ومعدة لهذا الغرض، يشتغلون في ظروف تسمح القيام بذلك في إطار الرقمنة، كتواجد مكتب خاص عند كل مدخل، ويسهر على التنسيق بين الحراس والمقرئين، والحفار.

مقبرة باب البرادعيين تحتاج الى تجهيزات اساسية

مقبرة باب البرادعيين وكغيرها في أمس الحاجة الى ربطها بشبكة الماء والكهرباء مما سيساعد ذلك على تجاوز بعض المشاكل، وخاصة في حالة ما إذا تعلق الامر بظرف طارئ يحتاج الى الدفن بالليل.

اما الماء فهو يعد من ابرز النعم التي انعم الله عباده به، لذلك اضحى من الواجب ان تتوفر عليه المقبرة لقضاء حاجيتها الضرورية، ولتفادي الوسائل التقليدية .

وتجدر الإشارة إضافة الى ذلك ضرورة توفير الأدوات الصغيرة المتمثلة في فؤوس ومغارف، وأوعية الماء ولحود، والعمل على تقنين ذلك.

لان من ضمن المشاكل المطروحة هي تلك التي تم التطرق اليها أعلاه حيث تبقى حكرا على اشخاص يبيعون كل شيء بشكل منفرد وكل خدمة بخمسين درهم ( ادخال الماء بخمسين درهم وادخال السلعة بخمسين درهم ….) اضف الى ذلك الزيادة في سعر مواد البناء واجرة الحفار التي تتراوح مابين 250 درهم و300 درهم . وبذلك تصل مصاريف عملية الدفن الى ما يقارب 800درهم حسب نوعية الشخص.  وعند بنائه اثناء انتهاء الأربعين حسب ماهو متعارف عليه قد تصل المصاريف مابين 1000درهم و1200درهم أي في المجموع تقريبا 2000 درهم.

استياء سكان المدينة

 كما لا يخفى على الجميع هناك استياء من طرف سكان المدينة العتيقة حسب الاستطلاع الميداني الذي اجرته جريدة ميديا 15 حول الوضعية المزرية التي آلت اليها مقبرة باب البرادعيين، وحيث نلمس اليوم قبل الغد انهم على اتم الاستعداد حسب تصريحات البعض ، للمساهمة ماديا ومعنويا للنهوض بأداء أدوارها الوظيفية عند تواجد ايادي أمنة .

ويتضح لنا ذلك بالملموس من خلال المعطيات الميدانية والمقاربة السوسيو انتربولوجية التي تسعى الى فهم علاقة الانسان اليوم بالمقابر وكيفية تعامله معها، بل فهم الإشكالية من اجل تجاوز الحالة الراهنة وإيجاد الحلول الناجعة لها، وهذا ما تمت مقاربته من خلال عمل  ميداني لمقبرة باب البرادعيين.

حيث نستخلص من ذلك على أن مقبرة باب البرادعيين التاريخية ينبغي أن تكون فضاء لا يتجزأ من المجال العام وفق رؤية مندمجة تسعى الى رد الاعتبار لها ،من خلال إضفاء رونق جميل يليق بالأموات والاحياء في اطار احترام  كرامة حقوق الانسان .

وهذا لن يتحقق الا من خلال تظافر الجهود واشراك جميع المتدخلين من جمعيات الحي  وسلطات محلية وأمنية ومندوبية الأوقاف والشؤون الإسلامية والجماعة ، كل واحد من زاوية اختصاصه .من اجل ارساء المقاربة التشاركية والعمل بمبادئ الحكامة الجيدة في اطار مقتضيات الدستور المغربي والقانون التنظيمي المتعلق بالجماعات المحلية

كل ذلك صونا لجناب التوحيد، لا الشرع ولا القانون الوضعي يسمح بأن تتحول مقبرة المسلمين الى وضع لا يقبله المنطق والعقل، مع مراعاة لحرمة موتى المسلمين ، وحفاظا على هيئة المقابر التي بها تحصل الموعظة ويحصل التذكير الذي شرعت زيارتها من أجله .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى