
برعي محمد
ثمة رحلات في الحياة لا تُقاس بالمسافات أو بفتنة الجغرافيا، بل تُقاس بالزمن؛ ذلك الذي يمتد من بذرة فكرة غُرست في الماضي البعيد، لتزهر دهشةً ويقينًا في حاضر نعيشه بكامل حواسنا. هكذا كانت زيارتي لبيت الرائد والمؤسس، كلود مونيه، في بلدته الوادعة جيفرني؛ رحلة اختصرت عقودًا من الشغف والانتظار.

يعود بي شريط الذاكرة إلى خريف عام 1983، وتحديدًا إلى فصول ثانوية المولى إسماعيل العريقة بمدينة مكناس. هناك، ومن خلف مكتبها، كانت أستاذة مادتي اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية، مدام كافي، تحدثنا بكثير من الإعجاب عن المدرسة الانطباعية، وعن عبقرية كلود مونيه. في ذلك العمر التائه بأفكاره، كان يصعب على مخيلتي استيعاب فلسفة هذا التوجه الفني؛ كيف للنور والظل واللحظة الهاربة أن تثور على قوالب الرسم الكلاسيكي؟ وكيف للواقع أن يُعاد تشكيله بضربات فرشاة تبدو، للوهلة الأولى، متمردة أو غير مكتملة؟
لكن الأيام تمضي، وتصقلنا المعرفة. فبعد الدراسة الجامعية والتعمق في عوالم الفكر، انفتح وجداني على الفنون عمومًا، والمسرح والرسم على وجه الخصوص. حينها فقط بدأت أفكك شفرات تلك المدرسة الساحرة، وأدركت كيف جعل الانطباعيون من الشمس مرسمًا لهم، ومن الطبيعة قصيدة تُكتب بالألوان. عندها تملكتني أمنية دافئة: أن أقف يومًا في المكان الذي وُلدت فيه تلك الروائع.

لم تسعفني زيارتي الأولى لفرنسا في تحقيق هذا الحلم، وبقيت جيفرني موعدًا مؤجلًا، كقصة لم تكتمل فصولها بعد. غير أن الأقدار تُخبئ لنا دائمًا الأجمل في أوانه. واليوم، وأنا أخوض رحلة سياحية اختارها لي أبنائي، ولي ورفيقة دربي، محطةً لنقاهة الروح والجسد، بعد وعكة صحية ألمّت بي ومررت بها بسلام، شعرت أن زيارة هذا المكان لم تعد مجرد رغبة عابرة، بل غدت حاجة ملحة لسكينة النفس والتماس الجمال في أبهى تجلياته.
في بيت مونيه، الذي تحول إلى مزار عالمي تتلاقى فيه أرواح الزوار من مختلف أقطاب العالم، شعرت وكأنني أخطو داخل إحدى لوحاته. تلك الحقول الممتدة، والحديقة المائية الأيقونية بجسرها الياباني الأخضر، وزنابق الماء المنسابة فوق غديرها، لم تكن مجرد طبيعة صامتة، بل كانت نبضًا حيًا يتنفس ألوانًا. هنا وقف مونيه يرقب تحولات الضوء مع الفجر والغسق، ليتعلم كيف يطوع الزائل ويجعله أبديًا.

اكتشفت في هذه الزيارة قمة التعبير الفني الحقيقي؛ لوحات لا تحتاج إلى ترجمة، لأنها تتحدث بكل لغات العالم، وتخاطب الإنسانية في عمقها المشترك. هناك يتلاشى الحد الفاصل بين الفن والواقع؛ إذ ترى كيف يمكن للرسم أن يصبح واقعًا تلمسه الحواس، وكيف يستطيع الواقع أن يتجلى بتلك الجمالية الباذخة التي تجعل المرء يقف صامتًا أمام جلال الإبداع.
لقد كانت زيارة منزل كلود مونيه أكثر من مجرد جولة في متحف؛ كانت مصالحة جميلة مع الزمن، ومكافأة لقلب تلمس الجمال منذ سنوات الدراسة في مكناس، ليجده شاخصًا أمامه اليوم في نورماندي، معلنًا أن الفن الحقيقي، كالصحة والعافية، هو أعظم هبات الحياة. بل إن الفن، في عمقه وجوهره، ليس إلا الحياة ذاتها وقد صُبّت في قالب من نور وظل، وعُجنت بماء الروح، لتصبح عصية على الفناء.

وأنا أطوف في أرجاء بيت هذا الفنان المبدع، انقشعت أمام بصري حقيقة إنسانية كبرى؛ وهي أن كل عابر في هذه الدنيا قد استخلف ليخدم الإنسانية من زاويته الخاصة، وبما أُودع في قلبه من سر وشغف. فالطبيب بمشرطه، والمعلم بحرفه، والفنان بريشته، كلهم شركاء في محراب العطاء. وما هذه الأعمال الإبداعية التي يتركونها وراءهم إلا طريقتهم الأسمى في شكر الله والثناء على بديع صنعه؛ إذ يتحول الإتقان البشري إلى تسبيح صامت يمجد الخالق، الذي بث الجمال في أرجاء الكون، وجعل في عيوننا القدرة على الدهشة.


