ثقافة وفن

بين العتمة والأمل… «الحفرة» تكشف هشاشة الإنسان – لإدريس الروخ”

توفيق اجانا

في عمله الروائي “الحفرة”، يفتح الكاتب والممثل والمخرج المغربي إدريس الروخ نافذة قاتمة على أعماق النفس الإنسانية، حيث تتقاطع العزلة مع القلق، ويتحوّل الإنسان إلى سجين اختياراته أو ضحية لظروف قاسية لم يخترها. ومن خلال استلهامٍ واضح لروح الطرح الوجودي الذي ميّز أعمال فيودور دوستويفسكي، يبني الروخ عالماً سردياً تتلاشى فيه الحدود بين الواقع والهواجس، ويصبح فيه الداخل النفسي أكثر حضوراً من الخارج الواقعي.

تتجاوز “الحفرة” كونها حكاية فردية، لتتحول إلى استعارة كبرى عن السقوط البطيء في متاهات الذات. فالحفرة هنا ليست مجرد مكان مغلق، بل بنية رمزية معقدة تختزل حالات الانكسار، والاغتراب، وفقدان المعنى. إنها تمثل لحظة الانفصال عن العالم، حين يفقد الإنسان صلته بمحيطه وبذاته في آن واحد، فيجد نفسه معلقاً في فراغ داخلي لا نهائي.

ويُحسب للروخ قدرته على تشريح الزمن النفسي داخل الرواية؛ إذ لا يسير الزمن بشكل خطي، بل يتكثف ويتشظى وفق إيقاع المعاناة الداخلية للشخصية. فكل لحظة تبدو ممتدة، مثقلة بثقل الانتظار، وكأن الزمن ذاته يتحول إلى عنصر ضغط يضاعف الإحساس بالعجز والتيه.

هذا التوظيف يجعل القارئ لا يكتفي بمتابعة الأحداث، بل يعيش التجربة الشعورية بكل تفاصيلها.
على مستوى بناء الشخصيات، يقدّم الكاتب نماذج إنسانية مأزومة، تعيش على هامش الحياة، وتكاد تفقد قدرتها على التفاعل مع العالم. فهي شخصيات مترددة، خائفة، مثقلة بجراح غير مرئية، تبحث عن خلاص لا تعرف طريقه. ويبرز هنا البعد النفسي العميق للرواية، حيث تتحول الصراعات الخارجية إلى انعكاس مباشر لصراع داخلي محتدم بين الرغبة في التحرر والخضوع لسطوة الخوف.

كما توظف الرواية لغة رمزية كثيفة، تميل إلى الشعرية في كثير من مقاطعها، ما يمنح النص بعداً جمالياً يخفف من قسوة الموضوع دون أن يلغي حدّته. فالصور المرتبطة بالظلام، والكائنات الليلية، والأماكن المغلقة، ليست مجرد عناصر وصفية، بل مفاتيح دلالية تفتح أفق التأويل أمام القارئ، وتدعوه إلى الغوص أعمق في المعنى.

ولا تغفل “الحفرة” البعد الفلسفي، إذ تطرح أسئلة وجودية حادة حول الحرية، والاختيار، والقدر، وحدود القدرة الإنسانية على التغيير. فهل الإنسان مسؤول بالكامل عن سقوطه؟ أم أن هناك قوى خفية—اجتماعية أو نفسية—تدفعه نحو “الحفرة” دون وعي منه؟ هذا التوتر بين الإرادة والقدر يشكل أحد أبرز محاور الرواية.

في نهاية المطاف، لا تقدم الرواية إجابات جاهزة، بل تترك القارئ في مواجهة مباشرة مع ذاته، أمام مرآة تعكس هشاشته وأسئلته المؤجلة. وهنا تكمن قوة العمل: في قدرته على إزعاج القارئ فكرياً ونفسياً، ودفعه إلى إعادة النظر في علاقته بنفسه وبالعالم من حوله.

بهذا، يؤكد إدريس الروخ أن “الحفرة” ليست مجرد نص سردي، بل تجربة إنسانية مكثفة، تضعنا أمام حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن الخروج من الظلام يبدأ أولاً بالاعتراف به، وأن كسر العزلة هو الخطوة الأولى نحو استعادة المعنى والحياة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى