
محسن الأكرمين.
من أخلاقيات وقيم مدينة مكناس أنها تصنع الاندماج العرقي والقبلي والأجناس… قبل البحث عن الانفصام الاجتماعي البدائي. فقد ظهرت مؤخرا نرفزة الخلافات السياسية (بعد دورة فبراير 2026) وتم الرجوع بالمدينة نحو حصن من حصون الفكر الجاهلي الارتدادي في زمن الذكاء الاصطناعي و(ما بعد الحداثة) لتزكية التفرقة بين مكونات المدينة البشرية، وإشعال قشة النعرات القبلية والاثنية بمكناس. من تم نقول: قد تجاوزت المدينة تلك المفاهيم البدائية من قبل وصف (البراني)، واللعب (الطفولي) على تنميط التصنيف بين الساكنة الأصلية والوافدة عليها عبر هجرة التاريخ.
كلنا مغاربة، و(تمغربيت) رمز لأصالتنا حتى وإن اختلفنا في مرجعية الأعراق والأنساب (الهوية المنفردة والمشتركة). مغربنا (المملكة الشريفة) يصنع تميز التفريد حين تخطى مرجعيات تمثيليات العشائر والقبائل منذ زمن الاستعمار (الظهير البربري)، وبات الدولة مؤسسة مرجعية مؤسساتية تحتكم للدستور والقانون، وتنأى عن التمييز بين مواطنيها في حرية التنقل والاستقرار.
إن الركوب بمدينة مكناس على المفاهيم القديمة (البراني…) لمن سوء التقدير والتناقض مع المرجعية القانونية الوطنية. حتى أننا نسقط في عاهة عدم فهمنا للقانون الأسمى المنظم للدولة، أو أننا نمارس نرجسية التمايز والتفاضل بين ساكنة المدينة في حرب سياسية وقحة !!! لا ثم لا فالجنسية المغربية توحدنا بالتمام والكمال، ولن يستطيع الخلاف السياسي والحزبي من خلق فجوة عميقة بين أبناء الشعب الواحد داخل مكون مدينة واحدة.
مدينة مكناس تُعاني ليس في السياسة والتنمية فقط، بل تعاني في الثقافة الرزينة والنظيفة، وتشويه قيم وأخلاق كانت بالماضي القريب مظلة تحمي المقهور وتأوي حتى عابر السبيل والبراني الوافد. مدينة قد تعيش ساكنتها (الأصلية) تسقط تجاوزا في حكم البراني، وكذا الغريب عن تراب المدينة، وخيراتها المهربة والمهدورة بالفساد والريع (حلال) هي التي قد تجعل الساكنة غريبة عن المدينة. سياسة مدينة غير إنصافية، تصنع الفوارق الطبقية والعرقية، وتنجح في تكديس الساكنة في الدواوير والهشاشة.
قد نتحارب سياسيا ونتناقض، ولكن ليس بالضرب تحت الحزام بالنعوت البرانية عن أخلاقيات المدينة. فحتى السياسة لها أخلاقياتها ومرجعتيها الكونية، فلما نحارب البراني في السياسة ونحتفي به ونشيعه في المال والاقتصاد والاستثمار. إنها المفارقة العجيبة غير السليمة، التي تعري نكوص الفكر السياسي بالمدينة وتواضعه ضمن حلقات الطوائف والأحلاف والمريدين والأوصياء.
حتى لا نقتل ما تبقى من الثقة في السياسيين الجدد والقدامى بالمدينة، فلا بد من إعادة الاعتبار للسياسية الأخلاقية، لا سياسة (الأصبع من تحت الجلابة). من الأسف أن نرى جيلا من سياسي المدينة ينخرطون في هذا السجال العقيم عبر (تهافت التهافت) وتهافت المتكلمين الجدد بالمدينة على (إعلام الشارع).
حديثي عن البراني والتمييز العنصري والعرقي والنزوح نحو العودة الى مجالس العشائر والقبائل، لا أقصد به أحدا (أي ما كان)، ولا أرمز من خلاله إلا إلى نوعية التصالح مع الفكر السياسي الجيد، واسترجاع الأصالة الثقافية لمدينة مكناس، بدل قتل ما تبقى من إرث رُشدها في عفن السياسة والسياسيين، والانقياد وراء ثقافة البلاهة والتفاهة.













