بين السطور والزاوية

مكناس: من الصناعة اليدوية للمهرجانات نحو جودة الأداء والأثر الثقافي

محسن الأكرمين.

من الآن فليتحمل كل منَّا المسؤولية في هذه المدينة الذي يكثر فيها اللغط في السياسة والثقافة والتنشيط الفني. مدينة مكناس تتحمل بكثير أقساطا من الإكراهات التي لا تعد ولا تُحصى منذ زمن القرن الماضي، وتئن بالصوت الخافت تحسرا عن ضياع الزمن الماضي السلطاني، لكنها في أيام تستفيق على نوعية من المهرجانات، والتي لا ترقى بتاتا الى معايير الجودة في الأداء والأثر.

مهرجانات جديدة، وأخرى راكمت السنوات في الكمية لا في الأداء والعمل المتصاعد، تأبى على تقديم الثقافة في وصفة (فولكلور) استعراضي / فني يمثل نوعية من الوجبات السريعة السنوية، والتي لا تحتاج الى محتوى ناضج من مطبخ الثقافة القائمة بالمدينة. هي الثقافة بمدينة مكناس التي تُستهلك بالبهرجة في مهرجانات قديمة وناشئة، حتى أنها لا تصنع وفق حاجيات الفئات المستهدفة (المتلقي)، وحاجيات المدينة المتجددة والآنية.

يبدو أن تقييم نجاحات مهرجانات مدينة مكناس، بات يتكرر وفق المواسم، حتى أن تلك المهرجانات أضحت حضورا هامشيا في الأجندة الثقافية بالمدينة، وينتج تكرار نفس الوضع الثقافي والفني. ومن هذا الاستخلاص يمكن أن نحدد: أن آليات تسويق المدينة المعرفي والثقافي والفني والحضاري، يقتضي منَّا مساءلة القيمين عن تلك المهرجانات، وكذا مساءلة المؤسسات الداعمة على اعتبار دورها في توجيه هذا المجال، وصورة المدينة.

من هذا القلق الفكري والثقافي بهذه المدينة، يمكن أن نفكر بالعقل الجمعي، والعمل على الرقي بمكناس نحو امتلاك سياسة التغيير والتجديد، والقفز عن استنساخ مهرجانات تستهلك الموارد أكثر من إنتاج محتويات ثقافية وفنية ذات أثر. هذه السنة بالذات (بعد تجارب نماذج مهرجانات لازالت عالقة في الذاكرة) لازال من الممكن إعادة صياغة احتياجات مدينة مكناس من المهرجانات ذات البصمة الحصرية، وهذا المسار الأصيل في التغيير يجب أن يكون بجدية، وحزم بالثقة والعزيمة، وينم على التدبير الجماعي لكل ما يقدم للمدينة من مهرجانات، وفق مؤشرات الأداء الرئيسية التي تكون طيعة للاحتساب والتقييم.

كلمة حق لا بد منها، فمن متغيرات تدبير الشأن الثقافي المؤسساتي بمدينة مكناس، وجود قيادة إدارية تحمل رؤية العمل الاستراتيجي المنظم بذات المديرية، قد اختلفنا معها عدة مرات من فواصل وعناصر تنظيمية، ولكنا نرى أن مسعى التغيير والتأطير ينحو اليوم نحو بناء مسارات جديدة لا تنظر الى الوظيفة (المهنية)، بل الى أسس صناعة الوظيفة الثقافية الموضوعاتية بمكناس.

من عشق منظمي مهرجانات مدينة مكناس (الفرادى والجماعات)، اعتزازهم بنشر الداعمين على ملصقات اللافتات، وعلى يافطات الإشهار (خاصة فيما يعود للدعم المؤسساتي من الجماعات والجهة…)، وكأنهم يسوقون للجمهور أن المؤسسات الرسمية (راضية) على هذا النوع من المهرجانات، وأن حفل الافتتاح والختم هو النجاح بحد ذاته. مع إضافة عناصر تنظيمية والزيادة في الأضواء، ونسق من التنظيم الاحتفالي.

قد لا نرى مهرجانا بحد ذاته يخلق الحدث النوعي بمدينة مكناس والتفرد، بقدر ما نرى سياسة الاستنساخ في إعادة صياغة النسخة الأولى، واستدعاء وجوه جديدة للإثارة والتأثير على المتلقي. ويتكرر هذا الإخراج السطحي السنوي بتلوينات مختلفة، والركوب على نفحة العد التراكمي للدورات. وهذا ما يجعلنا نقول: أن تلك المهرجانات لا تتميز كثيرا عن المواسم (التقليدية)، إلا بالسجاد الأحمر، وشريط قص البدايات، وجوائز النهايات، وترنيمة الخطب في الشكر الموصول للداعمين.

أخيرا، فالصناعة الثقافية لا تماثل الصناعة اليدوية الفردية (كما هي في مهرجانات مكناس)، وهذه دلالة على أنماط من المهرجانات الفردية التي تجتر النجاحات الذاتية لا الجماعية، وتتناسى التأثيث النظيف للثقافة والفن بالمدينة وفق رؤية تشاركية. وقد ألفت مكناس بالطبع والتطبع من بعض مهرجاناتها أنها لا تعمل على تغيير واقع المدينة، بل تثير فقط التكيف مع معطيات الدعم والمساندة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى