
محسن الاكرمين
لا يعقل أن تُسجَّل مجموعة من الملاحظات ذات الطابع الإيجابي حول أداء وسياسات تدبير مدينة مكناس، ثم يتم التفريط فيها عبر تجاهلها أو عدم الاكتراث بما قد يترتب عن التراخي في التسيير واتخاذ القرارات المواكِبة. قد نكون من المؤمنين بالحلم وبمستقبل تنموي واعد لمدينة مكناس، وقد نُراعي الجانب المُحفّز من سياسات التمكين، غير أننا بالتأكيد لن ننساق وراء رؤية عدمية تُبرِّر الإخفاق بمنطق “ما دارو والو”، أو تُحوِّل عتمة التدبير إلى أوهام إنجاز.
هذه الإحاطة ضرورية لفتح النقاش حول سؤال جوهري: ماذا نريد من ساحة الهديم التاريخية؟ وما الأدوار الحقيقية التي ينبغي أن تُخوَّل لها؟ ثم ما مدى وجاهة رؤية إعادة التوظيف الأمثل والتسويق السياحي والتاريخي لهذه الساحة العتيقة؟ لا خلاف حول القيمة المحورية لساحة الهديم، سواء من حيث بعدها المادي أو اللامادي، ولا مجال للتقليل من أثر عمليات تثمين المدينة العتيقة على صورتها العامة، غير أن الاختلاف يظل قائمًا بشأن نظرة العين إلى الساحة، ورهانات إعادة توظيفها وجدواها التسويقية.
ومن بين التوصيات ذات الطابع الاستعجالي فك الحصار عن ساحة الهديم عبر فتح بوابة باب منصور في اتجاه ساحة لالة عودة، لما في ذلك من مكسب سياحي حقيقي، وتمكين فعلي من استحضار جمالية الساحة وبهائها التاريخي. ففتح باب منصور لا يُعد مجرد إجراء تقني، بل مدخلاً لإعادة الاعتبار للساحة كبؤرة نابضة في قلب المدينة، بدل تركها رهينة للفوضى وسوء الاستغلال.
كما تُطرح بإلحاح مسألة الإنارة الباهتة التي لا تليق بمكانة الساحة وباب منصور، حيث تظل الساحة ليلاً تحت رحمة إضاءة ضعيفة لا تُبرز مفاتنها ولا تُضفي عليها ما تستحقه من إشعاع. وعليه، يصبح من الضروري إعادة النظر في منظومة الإنارة، من حيث الجودة والتوزيع والتناسق، مع اعتماد أضواء كاشفة تبرز التفاصيل المعمارية والتاريخية لمختلف معالم الساحة.
وفي سياق الارتقاء بقيمة ساحة الهديم، يُقترح التفكير في إحداث وكالة لتدبير وتحـصين ساحة الهديم، تُناط بها حصريًا شؤون الساحة ومرافقها، من صيانة وترميم وضبط للاختلالات القانونية، خاصة ما يتعلق باحتلال الملك العام والاستعمال غير المشروع للفضاء. وكالة تضم في هيكلتها ممثلي السلطة المحلية، والشرطة الإدارية، والأمن الوطني والسياحي، إلى جانب المجلس الإقليمي للسياحة، وممثلي المجتمع المدني المعني بحماية التراث المادي واللامادي، وتجار المدينة العتيقة، وممثل وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس (ADER-Fès) بمكناس.
ويمكن التفكير في تمويل هذه الوكالة عبر تحويلات قارة من ميزانية مجلس جماعة مكناس وجماعة المشور الستينية، على غرار منشآت التثمين، في أفق اعتماد مقاربة تشاركية، واضحة ومسؤولة، تُحصِّن الساحة من التلف وسوء الاستغلال والفوضى.
ومن الملاحظات ذات الأولوية كذلك إعادة النظر في وضعية العربات المجرورة (الكوتشيات)، سواء من حيث أماكن التوقف العشوائية أو من حيث صورتها الجمالية والسياحية. كما يقتضي الأمر تأطير هذا النشاط عبر التكوين والتنظيم المهني، وإحداث جمعية مهنية تكون مخاطبًا مؤسساتيًا، مع الحرص على احترام شروط الرفق بالحيوانات، في ظل مشاهد مؤسفة تُسيء إلى صورة المدينة والسياحة بها.
ورغم التواجد الأمني الدائم بالساحة، تظل الحاجة قائمة إلى إحداث مقر لمصلحة ديمومة أمنية تابعة للدائرة الأمنية الأولى، تُعنى بمراقبة الساحة والتنسيق مع مختلف المتدخلين، ضمانًا لسلامة الزوار وحماية هذا الفضاء التاريخي الحيوي على مدار الساعة.










