سناء الكوط
بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة وعيد الاستقلال المجيد، احتضن المعهد الموسيقي بمكناس، اليوم، ندوة فكرية نظمتها الهيئة الوطنية لمغاربة العالم، تحت شعار:
«دور المجتمع المدني في التأطير وترسيخ قيم المواطنة والدفاع عن الثوابت»،
بمشاركة ثلة من الأساتذة والباحثين في الفكر الديني والتربوي والمجتمعي.
وتوزعت أشغال الندوة التي كانت من تسيير الاعلامي محمد امين النظيفي بين ثلاث مداخلات رئيسية قاربت قضايا أساسية تمس هوية المجتمع المغربي ومقومات تماسكه، حيث أطرها كل من:
الدكتور حمو رامو، رئيس المجلس العلمي المحلي لمكناس، في موضوع: «ما جرى به العمل في المذهب المالكي والمحافظة على الخصوصية دون المساس بوحدة المجتمع المذهبية»،
الأستاذة سعيدة خامة، المنسقة الإقليمية للمؤسسة المغربية للتعليم الأولي، في موضوع: «التنشئة الاجتماعية والتربية على المواطنة»،
الأستاذ عبد الحق متال، مفتش تربوي سابق، في موضوع: «المجتمع المدني المغربي بين مسؤولية التأطير وحماية الهوية الوطنية».
استهل الدكتور حمو رامو مداخلته بالتأكيد على أن المذهب المالكي يشكل أحد الثوابت الدينية الراسخة للمملكة المغربية، إلى جانب إمارة المؤمنين ،وأوضح أن “ما جرى به العمل” ليس مجرد عرف فقهي، بل هو منهج اجتهادي مؤسس على المصلحة المرسلة ودرء المفاسد، بما يراعي خصوصية الزمان والمكان.
وأضاف المتحدث أن المذهب المالكي مذهب استنباطي في تعامله مع الكتاب والسنة، قائم على التوازن بين النص والواقع، حيث يتميز بمرونته وتعدده المدرسي عبر العصور، التي أضحت مرجعًا وطنيًا في فقه النوازل.
وشدد الدكتور رامو على أن غياب العالم الفقيه المتبصر بواقع الناس يجعل المجتمع عرضة للتيه في الفهم والممارسة، مضيفًا أن “العالم إذا وُجد فهو حياة للدين، وإذا غاب كان الدين في وادٍ بعيد عن الناس”، في إشارة إلى أهمية الاجتهاد الجماعي وتأصيل الفتوى في سياقها المجتمعي.
كما أبرز أن ما جرى به العمل يُعتمد عليه قضائيًا حين يقع الخلاف في النوازل، باعتباره امتدادًا لاجتهاد فقهي يستند إلى العرف الصحيح والمصلحة العامة، وهو ما أكسب المذهب المالكي صبغته المغربية الأصيلة التي تراعي المصلحة وتدرأ المفسدة.
أما الأستاذة سعيدة خامة فقد تناولت في عرضها موضوع التنشئة الاجتماعية والتربية على المواطنة، مبرزةً أن التنشئة تمسّ جوهر الإنسان والمجتمع معًا، وتُعدّ ركيزة أساسية في بناء المواطن الصالح.
واستحضرت المتدخلة تعريفاتٍ سوسيولوجية من بينها إميل دوركايم وسيغموند فرويد، لتؤكد أن التنشئة عملية تفاعلية متكاملة، تُسهم فيها الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلامية على حد سواء.
وشددت على أن التربية على المواطنة يجب أن تُترجم إلى سلوك يومي يُنمّي روح الانتماء والمسؤولية، من خلال الممارسات التربوية داخل الفصول الدراسية، مثل اعتماد ملصقات المسؤولية، وتشجيع الأطفال على احترام البيئة والممتلكات العامة وترشيد استهلاك الماء والطاقة.
وأكدت الأستاذة خامة أن غرس قيم المواطنة في الناشئة لا يتم عبر المقررات فقط، بل عبر القدوة والأنشطة الموازية التي تُجسد حب الوطن في الممارسة والسلوك.
وفي المحور الثالث، تناول الأستاذ عبد الحق متال دور المجتمع المدني المغربي في التأطير وحماية الهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن المجتمع المدني اليوم لم يعد فاعلًا مكمّلًا، بل أصبح شريكًا أساسيًا في التنمية والدبلوماسية الموازية.
وأكد أن هذا الدور يكتسب أهمية متزايدة في ظل التحولات الرقمية والإعلامية، حيث يمكن للجمعيات والفاعلين المدنيين أن يسهموا في التعريف بالمنجزات الوطنية وتحصين الثوابت، من خلال خطاب وطني مسؤول يعتمد على الحجة والوثيقة.
كما شدد على أن التكوين المستمر للفاعلين المدنيين، بدعم من الجامعات ومؤسسات الدولة، يُعد ضرورة لتعزيز الفعل المدني المسؤول، الذي يوازي بين حرية المبادرة واحترام الثوابت الوطنية، انسجامًا مع التوجيهات الملكية التي تعتبر المجتمع المدني “شريكًا لا غنى عنه في بناء الوطن”.
واختُتمت أشغال هذه الندوة الوطنية برفع برقية ولاء وإخلاص إلى السدة العالية بالله صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، تلاها باسم رئيس الهيئة الوطنية لمغاربة العالم، الأستاذ جواد الحسناوي، عبّر فيها عن التعلق المتين بالعرش العلوي المجيد وتجديد أواصر الوفاء للوطن وثوابته الراسخة.
كما شملت البرقية أسمى آيات الولاء والإخلاص إلى صاحب السمو ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الأمير مولاي رشيد، وصاحبة السمو الأميرة للا خديجة، وسائر أفراد الأسرة العلوية الشريفة، مبتهلين إلى العلي القدير أن يحفظ جلالته، ويقر عينه بولي عهده، ويشد أزره بصنوه، ويحفظه في سائر أسرته الكريمة.















