ثقافة وفن

مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة (الدورة 27) تثبيت لروح التسامح الديني والتعايش

محمد برعي

الموسيقى لها القدرة على تغيير العالم ،هكذا قال بيتهوفن ،لأنها تساعدنا على التهدئة نفسيا وعقليا. الموسيقى هي الوحيدة التي تمكن الانسان من إعادة ذكرياته الماضية الجميلة وهي تخاطب الروح وتناجيها. وهذا الأمر يخول لها القدرة على نقل عدد من المشاعر الإيجابية دون وسيط تطلبه لتحقيق ذلك، الموسيقى في شموليتها متحركة وذات حافزية قوية، وهذا ما يجعلها قوة تستطيع تحطيم كل القيود والحواجز بين مكونات البشرية.

أما الموسيقى الروحية فهي  أكثر حافزية  وأكثر إيجابية ، هي قوة يمكن أن تساعدنا على التواصل وإعادة تشكيل كل القيم الراقية بما يتطلبه العصر الحديث، بل تستطيع أن تجسد لكل الشعوب أساسيات الوحدة والتعايش والتسامح ،هكذا حاول منظمو الدورة 27 لمهرجان الموسيقى العالمية العريقة لفاس تجسيد مضامين هذا المهرجان، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس والذي حضر ت فعاليته الاميرة لالة حسناء ،

حيث الإبداع في أفضل صوره ، يمكن المشاهد والمتتبع من قراء واقع مرحلة مهمة في تاريخ البشرية بالأندلس،من خلال روائع أبو الحسن  علي بن نافع المشهور باسم(( زرياب))في قالب فني موسيقي بهي ، محوره : ((زرياب والوتر الخامس)

خلال العرض الافتتاحي للدورة 27 لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة قام على تصميم وإخراج هذه الفقرة الإبداعية آلان ويبر؛ وهي تسرد من خلال دعوة شاعرية وموسيقية،  تاريخ الأندلس  المفعم بالتناسق والتناغم، حيث عززت المناظر الطبيعية الثقافية والنصوص الروحية الانسجام الكلي للتفاهم حيث المغزى والهدف الأسمى، هو ضمانا لتفاعلات السلمية بين مجموعات متنوعة من الناس. في عالم غالبا ما تشوبه الصراعات الدينية، صورة رمزية تحمل دلالات سيميائية تسهم كقراءة تاريخية  كمنارات للأمل والإلهام، وتعرض إمكانية الانسجام والتعاون بين الأديان المختلفة التي تشبعت بها  المملكة المغربية من خلال مهرجان فاس الموسيقى العالمية العريقة التي اختارت إسبانيا ضيفة شرف لها خلال هذه الدورة.

شارك في فقرة “زرياب والوتر الخامس” نخبة من مشاهير فناني المغرب والعالم، حيث سلطوا الضوء على قيم التعايش والتسامح السائدة بالأندلس….ظهر الفنان ربيع القاطي الخشبة، مرفوقا بالمطربة سناء مرحاتي والفنان المتخصص في الموسيقى الصوفية سعيد بلقاضي، إلى جانب مجموعة حيدوس أولماس، وكل هذا ضمن مزيج صوتي يلتقي فيه أوتار عمر بوتمازوخ وعود الموسيقي سمادج، لإضفاء الروح على الأداء الفني الرائع لراقصين مشهورين.  كما شهد ت نفس الفقرة مشاركة خوان كارمونا، عازف القيثارة وملحن الفلامينكو إلى جانب مجموعة مادالينا، المجموعة الصوتية النسوية الشعبية للبلدان الغربية، بقيادة مانو ثيرون.

تقنيا  كان العرض مبهرا حيث العمل الكوريغرافي الذي مزج بين كل الألوان ، والكاليغرافيا والفسيفساء، و الإبداعات الضوئية المتلألئة على أسوار و جنبات مكان العرض.

 “شوقا لروح الأندلس” موضوع الدورة السابعة والعشرون ، تسلط الضوء على حقبة التعايش السلمي ما بين الديانات بالأندلس في الفترة الممتدة من القرن 8 إلى غاية القرن 15، تلك “الحقبة الذهبية” التي لا زالت روحها سائدة بالمغرب. حيث يعيش الجميع جنبا إلى جنب ،ويتبادلوا المعرفة والثقافة والأفكار.

حقبة يجسدها المغاربة كممارسة تستنبط قوتها من هذه الوضعيات التاريخية التي تعززروح التسامح الديني والتعايش الذي هو بمثابة تذكير بقدرة البشرية على التفاهم والرحمة والوحدة. تؤكد كل هذه المشاهد الرائعة على أهمية التنوع واحترام معتقدات الآخرين ، حتى في مواجهة الاختلافات ،توضح أيضا أن المجتمعات تزدهر عندما تعطي الأولوية للإيمان بالتنوع الثقافي والاحترام المتبادل بين كل الشعوب. 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى